النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬١٩٢

1192

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

3 - منهج كتاب (الجامع) وصلته بالتنظير الفقهي:

إن منهج ابن بركة في كتابه (الجامع) يكمل لنا مشهد نظريته الفقهية الأصولية، حيث يظهر في كتابه اعتماده الواضح والواثق على النظرية الفقهية الأصولية التي يتبناها في إيراد مسائله وفروعه الفقهية، بل نجده يحاسب غيره من العلماء عندما لا يلتزمون بالقواعد الأصولية أو الفقهية التي نظروا لها. ويمكن اعتبار تلك المسائل والتفريعات التي جاء بها في كتابه أمثلة وفروعاً على القواعد الأصولية والفقهية التي قررها، ودعامات النظريته الفقهية. فنجده يسير في صفحات كتابه انطلاقاً من نظريته الفقهية الأصولية التي قررها في أوائل الكتاب ولا نبالغ في القول - بل هذا ما يوجبه التتبع والاستقراء لكتاب (الجامع) - إن ابن بركة تناسق تناسقاً تاماً في تفريعاته مع نظريته الفقهية الأصولية التي رسمها في كتابه ومن الأمثلة على ذلك:

- تمسكه بالعمل من حيث الاجتهاد والنظر والاستنباط وإعمال العقل الذي دعا إليه - كما رأينا أثناء تنظيره للفقه ومن ذلك: أنه حكى اتفاق الإباضية الذين تقدموه على وقوع طلاق السكران، من دون تفريقهم بين السكران المميز وبين السكران الذي ذهب عقله تماماً، بينما أعمل اجتهاده ونظره، وتأمل في المسألة بعمق، فوجد أنه يمكن تقسيم السكر إلى حالتين، حالة يبقى فيها السكران مميزاً، لديه جزء من العقل، يستطيع أن يتبين قصده ونيته من الأفعال، فهذا القسم - بناء على النظر لا يمكن اعتباره كالمجنون الذي ذهب عقله تماماً، فيلزم بأفعاله وتجري عليه أحكام العقلاء القاصدين وحالة أخرى يذهب فيها جميع عقل السكران فيصبح كالمجنون، يلقي بنفسه في أي مكان، وهذا لا يمكن - بناء على النظر في الأدلة - إلا أن يعامل معاملة المجنون من حيث عدم اعتبار أفعاله لخلوها من المقاصد). وهكذا في مسائل أخرى كثيرة في جامعه تجده يجتهد رأيه ويتعمق في النظر. وهذا لديه مما توجبه القواعد الأصولية التي نظر إليها.

(1)

وجوب

- تمسكه بالعمل بعموم الدليل ما لم يرد مخصص وذلك ما ذكره عن مسألة تبييت النية لكل صيام، فرضاً أو نفلاً، لعموم الحديث، وعدم وجود ما يخصصه لديه، حيث قال بعد إيراده لحديث لا صوم إلا بتثبيت من الليل»: «وهذا عموم يشتمل على كل صوم». - العمل بالقاعدة في التفريعات تبعاً لأصولها فمن التزم قاعدة أصولية أو فقهية فعليه أن يلتزم بها في جميع تفريعاتها، وقد أنكر أن يختلف تفريع الفقيه عن أصوله وقواعده التي ينطلق منها، ومثال ذلك: إنكاره على بعض العلماء من المذاهب الإسلامية الأخرى قولهم بعدم إفساد

(1) ابن بركة كتاب الجامع، 177/ 2 - 178. (2) المصدر السابق، 6/ 2.