النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٢٠٠1200
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
2 - مقاصد الاحتياط
أهم مقصد من مقاصد الاحتياط هو حماية المكلف من الوقوع في مخالفة الشارع عند العجز عن معرفة الحكم الشرعي على وجه اليقين، أو الظن المعتبر.
ولقد كان هذا المقصد واضحاً في أحكام وتفريعات الاحتياط في كتاب «الجامع»، بل إننا نجد ابن بركة يعبّر صراحة عن ذلك في بعض المواضع، فقد علل احتياطه في مسألة الذكاة الشرعية وغير الشرعية بالتحرز من المعصية، فقد قال: «لأن الشرع لا يرد بالمعاصي، والذابح ما ليس له أو بالسكين المغتصبة أو المسروقة عاصياً في الذبائح، والفعل الواحد في الوقت الواحد من فاعل واحد لا يكون طاعة ومعصية … والطاعة والمعصية متنافيتان». وقد قال بهذا الاحتياط في حين رأى طائفة من العلماء بأن الذابح المسلم إذا كان يذبح بسكين سرقها أو يذبح شاة سرقها، فإن سرقته هي المعصية، وليست ذبيحته، فتبقى ذبيحته على أصل الإباحة.
وخروجاً من كل ذلك التحوير، وما قد يلحقه من غلط، واحتمال كبير في عدم الصواب، رأى ابن بركة أن الأحوط له الرجوع إلى قاعدة أن الطاعة والمعصية متنافيتان ـ التي يسلم بها والتأكيد على مقصد احتياطه، وهو حماية المكلف من الوقوع في معصية الله تعالى؛ «لأن الشرع لا يرد بالمعاصي» فقال بحرمة الذبيحة في تلك الحالة.
3 - مقومات الاحتياط:
(3)
إن من أهم مقومات الاحتياط الاستناد إلى أصل فقهي: ففي مسألة الاختلاف بين العلماء في طهارة دمي الرعاف والاستحاضة ونجاستهما، قال بعضهم بطهارة الدمين، وقال آخرون بنجاستهما، قائسين دم الرعاف على دم الاستحاضة، وقال بعضهم بنجاسة دم الاستحاضة؛ لخروجه من مخرج نجس، وطهارة دم الرعاف؛ لأنه ليس كذلك، فحينما لاحظ ابن بركة هذا الاختلاف في التعليل بين الأقوال الثلاثة لجأ إلى الاحتياط بالقول إنهما نجسان قولاً واحداً؛ لأن كليهما دم، مستنداً في احتياطه هذا على الآية الكريمة): حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: 3]. ثم قال بعد ذلك: «وإذا اعتورته هذه الأسباب، فأقل أحواله أن يكون نجساً ينقض الطهارة» (5).
(4)
(1) ابن بركة، الجامع، 118/ 1. (2) المصدر السابق.
(3) موقع نيل وفرات كوم (www.nwf.com)، نقلا عن: سماعي؛ محمد عمر: نظرية الاحتياط الفقهي.
(4) ابن بركة الجامع، 111/ 1 - 112.
(5) ابن بركة، الجامع، 112/ 1.