النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٢٢122
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
ينتظ
إلى موضع
فيه
فقد بينتها السنة أتم بيان وأكمله، ولهذا كانت علاقة السنة بالقرآن أشبه ما تكون بالمذكرة التفسيرية بالنسبة للقانون. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا سئل في أمر فإنه كان يجيب أحياناً برأيه، وأحياناً الوحي، وكان الوحي ينزل أحياناً بغير ما رأى أو حكم في بعض القضايا. وكان اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم على نوعين اجتهاد يتعلق ببيان الحلال والحرام واجتهاد الرسول في هذا واجب الاتباع، ولا يقره الله تعالى على خطأ، فإذا قرر حكماً من دون أن ينبهه الله الخطأ أصبح حكماً شرعياً يجب العمل به وعدم الخروج عليه. أما اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمور الدنيوية التي لا تتعلّق بحل أو حرمة، فليس بواجب أن يقتدى به، وليس الخطأ بمستحيل عليه فيه). كما حدث في قضية أسارى بدر، وفي تأبير النخل. كما اجتهد الصحابة في عصر البعثة، والوحي ينزل من السماء، وكان يقرهم الرسول عليه، وإن كان في نطاق محدود، وكان اجتهاد الصحابة يرجع إلى السنة (إقرار الرسول لهم، فالرسول أراد أن يعلم الناس الاجتهاد والاستنباط، ويبين لهم كيفية إقرار الأحكام من الأدلة، لذلك اجتهد وشجع صحابته على الاجتهاد.
ب) أما في عصر الصحابة (استمرار الاجتهاد) اجتهاد عملي لا افتراضي: وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم،
في
، وبعد أن جدت في حياة المسلمين مشكلات ونوازل لم تكن موجودة من قبل، بعد انتشار الإسلام في بلاد مختلفة العادات والتقاليد، كان على الفقهاء من الصحابة أن يجتهدوا لبيان حكم الله ما جد من وقائع، وكان الصحابة يلجأون إلى كتاب الله تعالى أولاً، ثمَّ إلى السنة يتعرفون فيها على الحكم الشرعي. وإذا لم يجدوا نصاً فيها اجتهدوا آراءهم، وساعدهم على الاجتهاد أنهم كانوا أرحب أفقاً، وأعمق فهماً في اجتهاداتهم وآرائهم؛ لقرب عهدهم بعصر البعثة. وكان الاجتهاد يتم من خلال التشاور والمحاورة والجدال بالتي هي أحسن، وينتهي غالباً إلى اتفاق أو إجماع، وفي بعض الوقائع يقوم على مراعاة المصلحة، كما قد يقوم في وقائع أخرى على تطبيق القياس. ولذلك احتل الاجتهاد في عصر الصحابة مكاناً أعظم من ذي قبل، واتسع نطاقه، فشمل كثيراً من القضايا الخاصة والعامة والسياسية والإدارية والدولية. ومن هنا أصبح الأصل الثالث بعد القرآن والسُّنَّة، وكان الصحابة يحرصون على الاجتهاد في المسائل العملية من دون المسائل الافتراضية، وكان كل صاحب رأي يحترم رأي غيره ما دام الأمر فيه مجال الرأي الشخصي، مع تورعهم عن الفتيا، ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره، ولم يكونوا يعتمدون في اجتهادهم على قواعد أصولية مقررة مدونة، فقد كانت هذه القواعد جبلة أو ملكة فطرية لقرب
(1) محمد الدسوقي: الاجتهاد والتقليد، ص 138 وبعدها. وانظر كذلك: السيد عبد اللطيف، أضواء، ص 73، 75. وانظر تفصيل أكثر، عبد اللطيف ثابت، ص 274 وبعدها. وأيضاً: سيد محمد موسى - الاجتهاد، ص 278، 383 وكذلك انظر: رمضان
الشرنباصي: المدخل في دراسة الفقه الإسلامي، 2012، ص 62، 63.
(2) انظر: رمضان الشر نباصي: المدخل، 2012، ص 62، 63.