النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٢٣123
|
الاجتهاد الإجرائي في الفقه الإسلامي
أ. د. أحمد هندي
عهدهم بالرسول، وسلامة لسانهم من اللحن، فضلاً عن أن وضع الحديث لم يكن معروفاً بينهم. فكان فقه الصحابة فقهاً عملياً واقعياً، وكان الخلاف الفقهي بينهم قليلاً
(1)
ج) وفي عصر التابعين (من سنة 41 إلى سنة 100 هـ) ظهور المدارس الفقهية، وتدوين السنة، وتطور الاجتهاد (بين النقل والعقل في العصر الأموي:
يمثل هذا العصر الجيل الذي تتلمذ على الصحابة وحمل علمهم، واتبعوهم وسلكوا منهجهم في كل شيء عن نظر واجتهاد لا عن تقليد، فقد ساروا سيرتهم في تعرف علل الأحكام التشريعية، وفي رعاية مقاصد الشريعة والمصالح التي تهدف إليها، وفي عدم الوقوف عند النصوص والجمود عليها، ولذا كانت مصادر الاجتهاد في عصر التابعين هي بعينها مصادر الصحابة في ما عدا الإجماع، ويضاف إليها أقوال الصحابة.
اعتمدت
ولقد شهد هذا العصر تطور الحياة الفقهية، وذلك بسبب انتشار الإسلام، وتفرق الصحابة في الأمصار، وشيوع رواة الحديث، مع ظهور الوضع في السنة، ونشأة الصراع بين الفقهاء وبعض حكام بني أمية؛ فهذا العصر عرف كثرة الفقهاء وكثرة الآراء الاجتهادية، فظهر علم الفقه، وظهرت بوادر المذهبية في الفقه، وانتشرت المدارس الفقهية، وسادها خطان أساسيان في الاجتهاد والبحث الفقهي: خط غلب عليه الاجتهاد بالرأي ويمثله) مدرسة الكوفة) التي في الاجتهاد على الرأي أكثر من اعتمادها على الحديث لأنها كانت تهاب رواية الحديث وتشترط شروطاً معينة في قبوله لأسباب كثيرة، حيث كانت الاحداث والمشاكل كثيرة والنصوص محدودة. وظهر الاجتهاد الافتراضي، حيث كان الفقهاء يفترضون المسائل ويستنتجون لكل فرض حكمة حتى عرفوا بالأرأيتيين .. (أرأيت لو كان كذا .. )، والخط الثاني هو خط الوقوف عند الأثر، وتمثله مدرسة المدينة التي كانت تعتمد في اجتهادها على الآثار من الأحاديث النبوية وأقوال الصحابة، حيث كانت الأحداث قليلة أو محدودة، وكانت لديها ثروة من سنن الرسول وأقوال الصحابة اتخذتها عماداً لاجتهادها، فكان الفقهاء يرجعون في كل ما يواجهونه من مشكلات إلى الكتاب والسُّنَّة،
(1) انظر بالتفصيل: محمد الدسوقي: الاجتهاد والتقليد، ص 146، 154. عبد الباسط ثابت الاجتهاد، ص 310 وبعدها، سيد محمد موسى: الاجتهاد، ص 299 وبعدها. ورمضان الشرنباصي: المدخل، 2012، ص 66 وبعدها.
(2) فالتابعون لم يعرفوا الإجماع بسبب تفرق كلمة الأمة بعد قضية التحكيم (بين علي ومعاوية) حول من يكون أميراً للمؤمنين (محمد الدسوقي: الاجتهاد والتقليد، ص 154، 156، حيث انقسمت الأمة إلى ثلاث طوائف خوارج (من خرج عن الإمام علي بعد التحكيم) وشيعة (من ترى الخلافة حقاً لعلي وآل بيته فقد ناصروا الإمام علياً واجتمعوا على حبه وعلى أحقيته للإمامة، وأنكروا الخلافة لبني أمية، وانعكس اختلاف الطوائف الثلاث في الإمامة على اجتهاد كل طائفة، فالخوارج ما كانوا يأخذون من الأحاديث إلا بما رواه رجالاتهم وهذا كذب وافتراء عليهم وإنما يأخذون من كل الفرق وهم أوسع الناس أخذاً بالأحاديث من غيرهم (المراجع)] وكذلك فعل الشيعة، أما جمهور أهل السُّنَّة فكانوا يعتمدون الأحاديث التي ثبتت صحتها مهما يكن في أسانيدها من رجال الفرق الأخرى متى كانوا ثقة وعدولاً [وهذا القول أيضاً فيه نظر؛ وغير مسلّم به مطلقاً فانتبه (المراجع)] (أحمد الدسوقي: الاجتهاد والتقليد، ص 154، 157).