النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٢٤

124

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

فإن وجدت أحاديث مختلفة فاضلوا بينها بالراوي، فإذا لم يكن حديث نظروا في آثار الصحابة، فإذا لم يجدوا فيها أعملوا الرأي أو توقفوا عن الاجتهاد، وكانوا يكرهون الفقه الافتراضي، أو السؤال عما لم يقع، حتى لا يلجأ أحدهم إلى الرأي، أو يتوقف عن الاجتهاد .. وكان الأخذ بالرأي

في المسائل الجديدة قليلاً. أي أن الاختلاف بين المدرستين لم يكن في الواقع اختلافاً في مصادر التشريع، بقدر ما كان اختلافاً في التلقّي وتنوعاً في الأساتذة وتبايناً في البيئة. وتميز هذا العصر بأن الاختلاف بين فقهاء التابعين كان أكثر اتساعاً مما كان بين فقهاء الصحابة، ورغم ازدهار الفقه فيه إلا أنه كان غير مدون ومهد هذا العصر لنشأة المذاهب الفقهية.

د الاجتهاد في عصر نشأة المذاهب من بداية القرن الثاني الهجري حتى منتصف الرابع) (عصر النهضة الإسلامي) عصر الازدهار والتدوين والاجتهاد، ووضع علم الأصول: في هذا العصر نشأت المذاهب الفقهية الكبرى التي اندثر بعضها ولم يكتب له الانتشار والبقاء (مثل: مذهب الإمام الاوزاعي بالشام، والليث بن سعد في مصر)، وعاش بعضها الآخر حتى الآن، مثل مذاهب الأئمة الأربعة المعروفة (الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة)؛ ومذهب الإباضية؛ ومذهبي الزيدية والإمامية من الشيعة وفيه دوّن الفقه ودونت السنة النيوبة تدويناً علمياً يقوم على أسس دقيقة وأصول منهجية لم تعرف من قبل في تدوين نص مقدس. وازدهر الاجتهاد الفقهي، وذلك لظروف سياسية وفكرية واجتماعية، وهو الإطاحة بالدولة الأموية وقيام الدولة العباسية، حيث اهتم الخلفاء العباسيون بالفقهاء، وحضروا مجالسهم العلمية، وطلبوا منهم وضع القوانين المستمدة من الكتاب والسُّنَّة لتسير الدولة عليها في معظم شؤونها، وخاصة ما يتعلّق بالحياة الاقتصادية. وكان هذا العصر بالنسبة للسنة عصراً ذهبياً، فعرفت الأحاديث التي لم تكن معروفة من قبل، وأصبحت أدلة الأحكام من السنة ميسورة لكل الفقهاء، ونشطت حركة الترجمة، وتولاها الخلفاء بالتشجيع وذخرت اللغة العربية بكثير من الأفكار اليونانية من خلال الموالي اليونان والفرس والسريان حيث التفتت عناصر مختلفة من الأقوام والأجناس ما بين عرب وروم وفرس وهنود ونبط في ظل دين سمح، يقوم على النظر والعقل، ويجعل الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها مما أدى إلى توسع عقل الفقيه، وتفتق ذهنه إلى استخراج المسائل، ووضع ضوابط عامة للفروع الفقهية المتباينة.

(1) مع مراعاة أن عصر التابعين عرف مدارس أخرى غير مدرستي الكوفة والمدينة كمدرسة مكة والشام ومصر واليمن، وتباينت هذه المدارس من الجنوح إلى الرأي أو الوقف عند النص (انظر: محمد الدسوقي: ص 162 وبعدها). وانظر: سيد محمد موسى، توانا، ص 42 وبعدها.

(2) كما ساهم في هذه النهضة الفكرية والعلمية ما ورثه هذا العصر من اجتهادات الصحابة والتابعين فهذا التراث الفقهي دفع بحركة الاجتهاد الفقهي في هذا العصر إلى التطوير والنماء والقوة والازدهار (انظر: محمد الدسوقي: الاجتهاد والتقليد، ص 170 وبعدها. وأيضاً: سيد محمد موسى، توانا، ص 46 وبعدها).