النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٢٥الاجتهاد الإجرائي في الفقه الإسلامي
أ. د. أحمد هندي
125
وفي هذا العصر عاش الاجتهاد الفقهي أخصب أيامه وأزهى عصوره، وأثمر من الآراء في كل سنوات الحياة الإنسانية ما لم يصل إليه الفكر الإسلامي إلى طرق منه إلا في العصر الحديث، وترك لنا الفقهاء تراثاً ضخماً في شتى مجالات البحث، مما أثر على الاجتهاد الإسلامي من ناحية دائرته، حيث اتسع إلى مشاكل لا حصر لها، وشاع الاجتهاد في المسائل الافتراضية، ومن ناحية مصادره زاد الميل إلى الرأي، بجانب الكتاب والسُّنَّة، خاصة لدى فقهاء العراق، وقام الفقهاء المسلمون بوضع علم الأصول، الذي يعد المنهج العلمي للاجتهاد، وبذلك سبقوا كل فقهاء القانون في العالم. لذلك تفرد الاجتهاد في هذا العصر بعدة خصائص وسمات أهمها: كثرة مصادره وتجدد مفاهيمها، حيث ظهر القول بالاستحسان وسد الذرائع والمصالح المرسلة، وعمل أهل السُّنَّة، وفتوى الصحابي إلى جانب القول بالقرآن والسُّنَّة والقياس والإجماع، كما شمل الاجتهاد كل أبواب الفقه من عبادات ومعاملات، كما اهتم الاجتهاد بالفقه النظري أو الافتراضي، مما أدى إلى تضخم الفقه وبعده عن الحاجة العملية في كثير من الآراء، والتجأ بعض الفقهاء إلى وضع مسائل الحيل، يعلم بها الناس كيف لا ينفذون الأحكام الشرعية من دون أن يقعوا تحت طائلة العقاب). .. كما ضاقت الفروق بين أهل الرأي وأهل الحديث حيث انتفع كل مجتهد بما لدى غيره من آثار وآراء، فتقاربت المذاهب وضاقت دائرة الاختلاف (2).
عصر التقليد والجمود من منتصف القرن الرابع حتى القرن الرابع عشر الهجري بحلول القرن الرابع الهجري ضعف مركز الاجتهاد، ولم يسمع صوت قوي كأصوات الأئمة الأربعة، ومن هم في درجتهم في الأوساط العلمية، وكأن الناس اتفقوا على انسداد باب الاجتهاد المطلق بعد وفاة المجتهد المطلق المستقل كمحمد بن جرير الطبري عام 310 هجري. وشكا بعضهم من زوال سلطان العلم، وسيطرة الجهل على العقول وكأن أهل القرن الرابع متفقون على التقليد الحرفي، وإن كان بعضهم (محدثون) يتمسكون بالأحاديث والآثار، أو يأخذون بأقوال متظاهرة لجمهور الصحابة والتابعين، فإذا لم يجدوا منهم ما تطمئن به قلوبهم للتعارض، وعدم وضوح الترجيح رجعوا إلى بعض الفقهاء السابقين، واختاروا الأوثق من أقوالهم، من أي بلد كان القائل، وبعض هؤلاء المحدثين كان ينسبون إلى بعض المذاهب لكثرة مؤلفاته في ذلك المذهب، كالنسائي
(1) الحيلة من الأمور الظاهرة في فقه أبي حنيفة، وليس معناها في الاصل التهرب من الأحكام الشرعية، ولكن بعض الفقهاء سلك نحو الحيل مسلكاً غير سديد. (محمد الدسوقي، ص 176 وبعدها).
(2) مع مراعاة أنه اظهرت نزعة القول بظاهرية الشريعة، كرد فعل لنشاط أهل الرأي وإن لم يكتب لها البقاء طويلًا، حيث كان المنادون بها يصرون على الأخذ بحرفية النصوص حتى كانوا يجورون بشدة تمسكهم بالمنطوق الحرفي الضيق على مفهوم اللغة نفسها (انظر: محمد الدسوقي: الاجتهاد والتقليد، ص 178 180. وكذلك أيضاً: سيد محمد موسى، ص 43. وأيضاً: رمضان الشرنباصي: المدخل، ص 87 96. وانظر بالتفصيل: سيد محمد موسى، ص 57 وبعدها.