النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٢٣٤

1234

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الأخلاقي الحديث يضع لكل مجال أخلاقياته»، فصرنا أمام أخلاقيات التواصل» و «أخلاقيات الطب» و «أخلاقيات الحوار» و «أخلاقيات المناقشة وغيرها من الأخلاقيات المزدهر التأليف فيها في زماننا هذا. وفي مجال الدين - وهو المجال الذي يهمنا ههنا أكثر من غيره ـ فإننا صرنا أمام الأخلاقيات الدينية وأخلاقيات الإيمان أو الاعتقاد. والحال أنه ما كانت الحضارة العربية بدعاً من هذا، بل لربما البدع ما يحدث في واقع العرب اليوم من انبهار بالتأليف الغربي في أخلاقيات وآداب تقدم أن ألف في ما يشبهها أجدادنا، لكن تراثهم صار لنا الأسف الشديد - نسياً منسياً. فقديماً اعتنى العرب بمجال ما كانوا يسمونه «آداباً» عناية واسعة، شأن «آداب الطبيب» و «آداب الأكل» و «آداب التأليف» مروراً بـ «آداب الإقراء وآداب المعاملات» وغيرها من الآداب أن تحصر عداً وقد أبلى الفقهاء - على وجه الخصوص - بلاء حسنا في هذا المضمار.

مما

يعسر

-

مع

وفي المجال الذي يهمنا على وجه التخصيص - مجال الخلاف - فإن ثمة مباحث آدابية تعلقت به. ويمكن أن نلمع بهذا الصدد إلى مجالين: آداب المناظرة» أو «آداب البحث» و «آداب الخلاف». أنه ما كان الغرض من هذا البحث ذكر موارد الخلاف التي يقف عندها الوارجلاني بالتفصيل - فذاك مما لا يتسع له مقام هذه المداخلة، لا ولا بالأولى إيراد رأي الوارجلاني في كل مسألة خلافية مسألة، وإنما الحديث عن كيفية تبدي أخلاقيات الخلاف هذه عنده.

غير

من آداب الخلاف والاختلاف

والحال أنه ما كان الرجل غريباً عن النظر في أمر «الآداب» أو «الأخلاقيات» بعامة. إذ عقد فصلاً ـ في مدخل كتابه «العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف» كان عبارة عن «وصية جامعة لأهل الأدب والنهي والطلب، رام فيه وضع آداب لطالب العلم تكون له هادية. وقد ميز في مسار طالب العلم بين الأطوار الثلاثة التي يتطور فيها الطالب طور المذاكرة، وطور المناظرة، وطور المجادلة. ثم إنه وضع لكل طور من هذه الأطوار «آداباً» خاصة به. ومن بين هذه «الآداب» التي ذكرها التقوى، وإخلاص النية لله، وقبول الحق ممن جاءك به والاعتراف له والإقرار به والإذعان له، وألا يعود المتفقه نفسه المجادلة في كل شيء حتى لا ينطبق عليه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنسَنُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف. 154، وأن يراعي العدل والإنصاف بينه وبين خصمه. يقول الوارجلاني بهذا الصدد مخاطباً طلبة العلم: «فلن تتم مروءة أحدكم ما لم تجتمع فيه هاتان الخصلتان، ولا تقوى حتى يجمعهما، وقد نصبنا العدل والإنصاف ميزاناً بين كل خصمين، والحذر كل الحذر أن تظلم خصمك»)، وأن يحسن خلقه ويستعمل الأدب بين يدي الرب، ويستعمل الوقار والتقى والعلم.

(1) الوارجلاني: العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1984، الجزء

الأول، ص 12.