النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٢٣٥كتاب (العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف)
أ. د. محمد الشيخ
1235
-
على أن ما يعنينا من هذه «الآداب» أو «أخلاقيات التفقه القاعدة الخامسة - قاعدة «العدل والإنصاف فالكتاب بأكمله تسمى باسمها: (العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف)، ولا نظن أن صاحبها كان من جنس الناصح المغفل الذي يريد أن ينصح الطلبة بإعمال مبدأ العدل والإنصاف، وألا يعمله هو بدءًا من نفسه وعلى نفسه، لا سيما إذا ما نحن علمنا موقفه المتشدد من النفاق والمنافقين والحال أن هذه القاعدة قاعدة «العدل والإنصاف شديدة الحضور في الكتاب بأكمله، حتى إنه يمكن اعتبارها بمثابة «قاعدة القواعد». كيف يكون الأمر على خلاف ذلك وهو يوصي الطالب المتفقه بألا: يعذر نفسه في المواطن الذي لا يعذر فيها غيره وذاك هو عين الإنصاف عنده، ويحضه على إتيان «العدل» الإتيان: وليكن وسطاً بينه وبين ربه، وبين ربه وبينه وبينه وبين خصمه». فقاعدة «العدل»، ههنا، ثلاثية المنحى: تحكم صلة الرب بالعبد، وصلة العبد بالربّ، وصلة العبد بالعبد. لكن هذه الصلة الأخيرة هي ما يهمنا هنا.
وحين يضع هو آداباً ـ في كتاب آخر هو كتاب «الدليل والبرهان» لمن «ينتحل خشية
في
الله يجب وينبغي
السر والعلانية، فإن مبدأي «العدل» و «الإنصاف» يردان فيها أيضاً الورود: «اعلم أنه لمن ينتحل خشية الله في السر والعلانية، إذ لم يخلق هملاً، ولم يترك سدى طللاً، أن يراعي نفسه ويحاسبها عند ثلاثة مواطن:
أولها: أن يصدق ظاهره باطنه، ويوجب لله تعالى من الخدمة ما نطق من قول: لا إله إلا الله.
ألا
الله
الثاني: يعتمد على قول الآباء والأجداد في الضمائر والاعتقادات في دين العلي الهادي. الثالث: أن يحاسب نفسه في المناظرات، فيقبل الحق إذا ظهر، ويرد الباطل إذا ندر، ويحسن الأدب في مناظراته، ويراعي الصدق والحق في محاوراته، وإن أخل بواحدة من هذه، فهو لنفسه
أعدائه» (1).
قاعدة
أعدى عدو من فقد تحقق من هذا أن أهم قاعدة تتحكم في آداب الخلاف»، عند الوارجلاني، هي «العدل والإنصاف». لكن، ما معنى «العدل» عند الوار جلاني؟ وما دلالة (الإنصاف» لديه؟ وهلا من سبيل إلى التفرقة بينهما؟
يعتبر الوارجلاني أن مفهوم «العدل» إنما يحققه الامتثال إلى المبدأ التالي: «من حكم على غيره كما يحكم على نفسه فقد عدل» (2)، فحدّ «العدل»، إذاً، هو أن تحكم لسواك بما تحكم به
(1) أبو يعقوب يوسف إبراهيم الوارجلاني: الدليل والبرهان، تحقيق: الشيخ سالم بن حمد الحارثي وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان، الطبعة الثانية،2006 م، الجزء الثالث، المجلد الأول، ص 333،
(2) الوارجلاني: العدل والإنصاف الجزء الأول، ص 9.