النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٢٣٧

كتاب (العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف)

أ. د. محمد الشيخ

1237

2 - سؤال الأينية: أين يوجد الخلاف بين المسلمين؟

يوجد

أهم من «سؤال الهلية» «سؤال الأينية»: أين يوجد الخلاف؟ وهو سؤال متعلق بمظان الاختلاف؛ أي بالأماكن التي يُظن - بل يُتيقن - أن الاختلاف فيها موجود. والحال أنه من حيث المبدأ الخلاف، نظرياً، في كل مجال أوكل إلى اجتهاد المسلم يقول الوارجلاني بهذا الصدد معيناً مظان الخلاف على وجه الجملة: وكل ما ليس في كتاب ولا سنة ولا إجماع فمختلف فيه». ومن الناحية العملية، يكاد الاختلاف أن يشمل كل مناحي الفكر الإسلامي، بحيث تعدى حتى هذا الإطار الذي

رسمه الرجل. وذلك على نحو ما سنقف عليه في ما بعد.

يوجد

أنه لا يسوغ

لكن الوارجلاني يحول سؤال الأينية: من أين يوجد الخلاف؟ إلى أين ينبغي أن الخلاف؟ وعنده أن مظان الاختلاف ينبغي أن توجد في مواطن الاجتهاد. إذ ما يفتأ يربط بين الاختلاف والاجتهاد ربطاً. ثمة تعالق بين الاثنين يعبّر عنه القول التالي: «واعلم الاجتهاد إلا في فروع الشريعة وأما أصولها فلا والتفرقة بين الأصول والفروع، فالأصول كل ما جاء في كتاب الله ل نصاً أو مستخرجاً مجموعاً عليه، أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مقطوعاً به، أو اجتمعت عليه الأمة، والأصل أن المجموع ما يؤثم فيه بعضهم بعضاً، والفروع بخلافها وهو ما طريقه غلبة الظن والاجتهاد. واعلم أن الاجتهاد قد وقع في أصول الديانات وسامح فيهن ناس من الناس وأطلقوا القول والمعذرة لمن أخطأ وجه الحق إذا كان مجتهداً في طلب الحق أو قاصراً عن ذكر الحق … ». ويقول في مصنف آخر: واعلم أن اجتهاد الرأي سائغ لهذه الأمة وله أمكنة، أمكنة أولها: في جميع النوازل التي تنزل على العباد، مما ليس لهم عهد من كتاب الله ل ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسوغ لهم الاجتهاد بين مخطئ ومصيب. والكل محمول عنهم» (3).

والحال أن ما يهمنا هو الخلاف في الفروع - لأنَّه أراد لكتابه هذا العدل والإنصاف) أن يكون كتاباً عن الخلاف فيها. أما كتابه الآخر - الدليل والبرهان - فهو كتاب عن الخلاف في الأصول. على أن هذا ما منعه أن يورد أموراً من خلاف الفروع في كتاب الأصول، ولا، بالضد من هذا، من أن يورد مسائل من خلاف الأصول في كتابه عن خلاف الفروع من هذه، مثلاً، نقاشه لقضايا خلق القرآن - وهي قضايا في أصول الديانات (أو) في علم الكلام) في كتاب عن الفروع.

والحق أنه يلاحظ أن ثمة تداخلاً بين أصول الفقه، من جهة، وأصول الديانات»، من جهة أخرى. وأحياناً كان الوارجلاني يعي أنه انتقل، لربما من حيث لم يحتسب، من قضايا «أصول الفقه»

(1) الوارجلاني: العدل والإنصاف الجزء الثاني، ص 12.

(2) المصدر السابق، الجزء الثاني، ص 12.

(3) الوارجلاني: الدليل والبرهان الجزء الأول، المجلد الأول، ص 48 - 49.