النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٢٤٠1240
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
اختلاف مذموم. وعنده أن الفرقة هي الطريقة يهلك بها معتقدوها، واتخذوها ديناً، وصاروا بها من أهل النار إلا الفرقة المحقة). ههنا التمييز بين الفرقة المحقة» و «الأفراق المهلكة». على أن جديد الوارجلاني هنا إبداعه مفهوم «التدين، وإعطاؤه دلالة خاصة لمعنى «الديانة». فما كان (التدين»، عنده، اتباع دين معين مثلما يتبع اليهود دينهم أو يفعل المسيحيون. وليس «التدين» يعني التعاطي للدين (تلك هي «الدينونة» تلقاء الإقبال على الدنيا الذي هو «الدنيوية»). إنما «التدين» عنده مأخوذ من «الديانة»، فهو اتباع ديانة لا اتباع دين، وإنما «الديانة» عنده: «اسم يشتمل على ما بانت به فرقة من صاحبتها مِمَّا اعتقدوه ديناً يدان الله تعالى به، وقطعوا فيه عذر من خالفهم سواء كان ذلك حقاً أو باطلاً، أو عمداً ذلك أو خطأ» (2). وبهذا تصير الديانة تعصباً للفرقة ضد بقية الفرق، ويصير التدين من التعصب، بل هو هو ولا ثالث لهما. وبوفق هذا المعنى يقول الوارجلاني: فكل من شرع لنفسه ديناً يأمره وينهاه فهو متدين» (3)، وذلك بما يجعل «التدين» ضرباً من «الأديلوجة» بلغة المحدثين ـ أو «الميل» أو «الهوى» بلغة القدماء - التي يتعصب لها تابعها التعصب، فتملي عليه التصرف، وتعمي بصيرته وتسد عليه ما عداها من منافذ الفكر والاجتهاد والقبول بالرأي المخالف وتنسيب الأحكام، بل وتوجه هي نظره توجيهاً. والاختلاف الذي يرفضه الوارجلاني هو هذا بالذات؛ أي التعصب لفرقة من فرق الإسلام الكلامية أو السياسية والاعتقاد بأنها تمثل الحق وغيرها يمثل الباطل. فالفرق بوفق هذا المعنى أهل ديانات» (4)؛ ومن ثمة كانت: «الفرقة اسم لأهل ديانة من هذه الأمة» (5). على أن من الاختلاف الذي يسوغه الاختلاف في الفروع - وهو الاختلاف المذهبي. والذي عنده في أمر هذا الضرب من الاختلاف أن لا تأثيم فيه: «وأما المذهب فهو الطريق الذي بانت بها الفروع، وليس فيها تأثيم، وإنما ظهرت المذاهب في هذه الأمة، حين اقتسمت الأئمة الأمة، فبانت كل فرقة بمذهب إمامها» (6).
غير أن الذي يبدو أن موقفه من هذه المسألة - الاختلاف المذهبي - لا يخلو من إشكال: تارة تلفيه يمدح الاختلاف المذهبي، بناء على مبدأ لطالما رفعه إلى مستوى «مبدأ المبادئ» في أمر الاختلاف: «إن الاختلاف رحمة، وذاك تأسياً بقول الرسول الكريم، وطوراً تلفيه يذمه الذم، وذلك بناء على واقع تاريخ الأمة الشاهد على التشرذم. فكأني به يقبل بالمبدأ ـ اعتبارياً ـ ويرفض
(1) الوارجلاني، الدليل والبرهان الجزء الثاني المجلد الأول، ص 6. (2) الوارجلاني: العدل والإنصاف الجزء الثالث، المجلد الثاني، ص 42. (3) المصدر السابق، المجلد الثاني، ص 44.
(5
(4) المصدر السابق، الجزء الثالث المجلد الثاني، ص 45. المصدر السابق، الجزء الثالث، المجلد الثاني، ص 44. (6) المصدر السابق، الجزء الثالث، المجلد الثاني، ص 45.