النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٢٦126
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
(1)
والبيهقي، حيث ينسبان إلى مذهب الإمام الشافعي. ولعل السبب في ذلك التقليد والبعد عن الاجتهاد، ضعف الدولة العباسية، وانقسام العالم الإسلامي إلى دول متناحرة، وجهود تلاميذ الأئمة في دراسة وإذاعة آراء ائمتهم، فتأصلت الثقة بهؤلاء الأئمة في قلوب العامة، وأصبح من الصعب بعد ذلك أن يقوم قائم بمذهب جديد يدعو الناس إلى اتباعه، كما أصبح من الصعب كذلك أن يلي القضاء فقيه لا يتبع مذهباً معروفاً، وهو ما جعل الفقهاء لا يخرجون على المذاهب المشهورة ويدورون في فلكها. كما ساعد على هذا الجمود تدوين الفقه ووجود الموسوعات الفقهية بدلاً من أن تكون حامية للاجتهاد، فقد وجدوا في هذه الموسوعات حلولاً لكثير مما يواجههم من مشكلات، فلماذا إذاً يعنون أنفسهم بالاجتهاد. بالإضافة إلى أن كثيرين دخلوا ميدان الاجتهاد من دون أن يكونوا أهلاً له، مما نجم عنه صدور آراء وفتاوى متعارضة في المسألة الواحدة، مما دفع بعض أهل العلم والبصر بالفقه في أواخر القرن الرابع أن يحكموا بغلق باب الاجتهاد، حتى لا يلج ساحته الدخلاء والأعداء، وفي آراء المجتهدين السابقين غنية وكفاية.
ونتيجة لذلك، وفي هذا العصر بنيت مدارس لتدريس المذاهب الأربعة، وأغدقت الأموال على معتنقيها من العلماء، مما صرف أنظار طلاب العلم عن غيرها وأمات فيهم ملكة الاجتهاد، وكانت أوامر بعض الخلفاء (المستعصم عام (654 هـ إلى أساتذة المدرسة المستنصرية ببغداد ألا يتعدوا كلام المشايخ السابقين، ويمتنعوا عن ذكر شيء من مصنفاتهم. فاقتصر عمل الفقهاء على الترجيح بين الآراء في المذهب الواحد، مع التعصب لأئمة المذاهب
وبسقوط بغداد سنة 656 هـ، وحتى ظهور مجلة الأحكام العدلية سنة (1293 هـ/1876 م)، جاءت مرحلة ذات طابع تقليدي خاص، فقد مُنع جميع العلماء من اتباع مذهب غير الأئمة الأربعة، واتجه جهد الفقهاء إلى تصنيف المختصرات والشروح ووضع الحواشي والتقريرات، وسمي الفقهاء بالمتأخرين، نظراً لتمزق العالم الإسلامي وضعفه، واستبداد حكامه وشطحاتهم من أجل النقود والسلطان، بالإضافة إلى ضعف اللغة العربية لدى الفقهاء، وإهمال دراسة الفقه للعلوم العربية والتاريخية والأدبية، رغم وجود بعض الأقلام في هذه المرحلة الذين دعوا إلى الاجتهاد، وحذروا من التقليد وتركوا تراثاً فقهياً يدل على استقلال فكرهم، كابن تيمية وابن القيم والنووي وأبي
(1) سيد محمد موسى، توانا، الأفغانستاني، الاجتهاد، ص 91 - 92. الدسوقي: الاجتهاد والتقليد، 181 - 182.
(2)
محمد
(3) وهو ما أدى إلى تنظيم وترتيب الفقه المذهبي، فقد كان من أثر الدفاع عن المذاهب والدعاية لها في الفقه وتأليف الكتب التي تجمع شتات المسائل في المذهب مع تعليلها وتخريجها على أصول معتبرة مأخوذ منها، وكان نشاط الفقهاء في هذا المجال لوناً من السباق العلمي الذي خدم الفقه ورتب أبوابه وفصوله، وفي الوقت نفسه كان من الأسباب التي حفظت لنا تراث الأئمة المجتهدين وعملت على تنميته (محمد الدسوقي: الاجتهاد والتقليد ص 182 - (184). وانظر كذلك: سيد محمد موسى: الأفغانستاني، الاجتهاد، ص 91.
-