النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٢٤٤1244
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
ومن الباعث على الخلاف أيضاً مناهج الفقهاء في استنباط الأحكام من الحديث النبوي: والسُّنَّة تحتاج إلى ثلاثة أوجه [الأول] تخريج المتون، والثاني: تصحيح نقله [نقلة] الحديث، والثالث: كيفية اقتباس العلوم من نفس الحديث. ومن هذه الوجوه وقع الخلل وعظم الزلل وهو آفة هذه الأمة دون سائر الأمم؛ لأنَّ عامة الأمم فرائضها منصوصة مقصودة مخصوصة، وهذه الأمة سلك بها طريقة الاستبداد بالرأي والاجتهاد فتشعبت عليهم العيون وتفننت بهم الميون، فاتسعوا في الميدان وتسابقوا تسابق أفراس الرهان، ولكن الصواب من مصيبهم مقبول، والخطأ من مخطئهم محمول، ما لم يبغ بعضهم على بعض في الإمرار والنقض). يظهر إذاً أن من حدود الاختلاف ما يسميه «البغي». والحال أنه يكرر الفكرة نفسها في كتابه «الدليل والبرهان»: «واعلم أن الأمم الماضية لم يطلق الله أيديهم في الشرائع بالرأي، ليس لهم إلا المنصوص مشرعاً، هذا بينما أطلق الله أيدي المسلمين في الشرائع بالرأي. وذلك أنه: «فوّض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علماء أمته وأهل البصائر منهم ما وراء ذلك، فجعل إليهم حكم النوازل التي لم يشرعها القرآن ولم يسنها النبي عليه السلام» (3).
ويتعلق بهذا السبب من الأسباب الموجبة للاختلاف سبب فرعي - وهو أن الإسلام دين اجتهاد. وقد ذهب الوارجلاني إلى حد تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115] تأويلاً على تسويغ الاختلاف لا على منعه: وهذه الآية تدل على أن اختلافهم [يعني: المؤمنين] رحمة وأن من اتبع سبيل بعض المؤمنين واسع له، وهي على سوغ الاختلاف أدل منها على الإجماع» (4). وهو يقصد بسوغ الاختلاف سوغ الاختلاف لأهل الاجتهاد.
وهل الاختلاف محمود أم مذموم؟ الجواب عن هذا السؤال يتعلّق بطبيعة هذا الاختلاف. والذي عنده أن ثمة اختلافاً محموداً، مثلما أن ثمة اختلافاً مذموماً:
أ) في مديح الاختلاف:
ما يفتأ الوارجلاني يذكّر بمزايا هذه الأمة، ومن المزايا التي يذكرها لها ما يسميه «فضيلة هذه الأمة»: «إن إجماع هذه الأمة عصمة ورحمة، وإن اختلافهم راحة ورحمة» (5). والسبب في ذلك أن دين هذه الأمة قائم، في جملته على الاجتهادات: واعلم أن الله تعالى قد رضي بعقول هذه
(1) الوارجلاني: العدل والإنصاف الجزء الأول، ص 145.
(2) الوارجلاني: الدليل والبرهان الجزء الثاني، المجلد الأول، ص 68. (3) المصدر السابق، الجزء الثاني، المجلد الأول، ص 74. (4) الوارجلاني: العدل والإنصاف الجزء الأول، ص 184. (5) المصدر السابق، الجزء الأول، ص 183.