النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٢٤٥

كتاب (العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف)

أ. د. محمد الشيخ

1245

الأمة عقولاً ففوض إليهم جل دينه تفويضاً، وجعله فيه النجاة إجماعاً واختلافاً، فالإجماع عصمة والاختلاف راحة». فما يميز هذه الأمة الميزة ويحقق لها الخصوصية الإجماع على حق: «ولفظة الإجماع تجمع على الحق والباطل والخطأ والصواب، لكن هذه الأمة ثبتت من سائر الأمم، وثبت أن إجماعها كله صواب وحق، وما ملة من الملل ولا أمة من الأمم التي ذكرنا إلا وقد اجتمعوا على خطأ وباطل غير هذه). ويقول في موطن آخر: إن الله تعالى جعل اختلاف أمة محمد رحمة، قال: «اختلاف أمتي رحمة». فجعل سبيل ما اختلفوا فيه سبيله، وجعل وسيلة الله وسعاً لهذه الأمة ورفقاً بها. فمن عمل بشيء من اختلاف العلماء، فهو في سبيلهم، ولو صادفه من غير

رسول

الله صلى الله عليه وسلم

معرفة به فواسع له» (3).

ب) في ذم الاختلاف

ما كان الاختلاف مذموماً لذاته، وإنما يكون مذموماً لما يرفقه ويقترن به. وما يرافقه هو ما يسميه الوارجلاني «البغي»: «وإنما وقع الذم على الاختلاف لهذه الأمة إذا اقترن معه البغي، وأما إذا فارقه البغي فلا. إنما الاختلاف يسوغ للأمة إذا أداهم الاجتهاد إليه، فهو مقرون ـ على وجه الإيجاب - بالاجتهاد، وعلى جهة السلب بالبغي.

5 - سؤال الأحقية من له الحق في الاختلاف؟

من الذي له الحق في الاختلاف وفي النظر فيه؟ الحق في الاختلاف، شأن الحق في الإجماع، لا يكون بالوهب وإنما يتم بالكسب؛ ولا يتحصل بالرواية وإنما بالدراية ينجز؛ أعني أن كل متفقه في الدين، فضلاً عن متفيهق فيه، بمكنته أن يختلف أو أن يعلن اختلافه؛ فضلاً عن أن ينظر في الاختلاف بعامة. إنما الاختلاف والنظر فيه (مزية) لا مجرد ميزة». وهكذا، فإنه حين يذكر الوارجلاني مسألة «الإجماع»، يشير إلى أن الإجماع إنما هو إجماع (العلماء». ويفسر مقصوده من إعمال لفظ «العلماء» بأنهم «العارفون» بكتاب الله وعمل وفنون التفسير وبالسنن وفنونها وبالأصول - وهو الكلام عنده. مع ملاحظة أن المقصود بالأصول عنده، بالأولى أصول الديانة أو علم الكلام، وأن المعني به، بالتبع أصول الفقه». فالرجل أصولي»؛ بمعنى متكلم»، أكثر منه أصولياً؛ بمعنى مختص في أصول الفقه، غير أن هذا لم يمنعه من أن ينظر في أصول الفقه وفنونه. وهو يقصد بالمعرفة هنا المعرفة بالمشهور المأثور وليس الدراية بالشأن المغمور وما ينطبق على مسألة

(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف، الجزء الأول، ص 3 (2) المصدر السابق، الجزء الأول، ص 184.

183

(3) الوارجلاني: الدليل والبرهان الجزء الثاني، المجلد الأول، ص 88. (4) الوارجلاني: العدل والإنصاف الجزء الأول، ص 188.