النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٢٤٦

1246

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

«الإجماع» ينطبق عنده على مسألة «الخلاف»، فكما أنه لا يجمع إلا بشرط، بله بشروط، فكذلك لا يختلف إلا بشرط بله بشروط وكل فن من هؤلاء الذين يحق لهم الإجماع] ممن لا يحسن إلا فنه فلا يعتد بإجماع هؤلاء ولا اختلافهم؛ لأنَّهم من نمط العامة ولا سيما أنهم رواة». فههنا نکتتان دقيقتان: أولاهما: إبداع الوارجلاني في تحديد من هو «العامي: ما كان العامي عنده من لا يعرف فناً، وإنما العامي هو من يعرف فناً [واحداً] بعينه، ومن هنا دعوته الجريئة إلى تكامل أصناف المعرفة الدينية وثانيتها: تمييزه في علماء الدين بين «الرواة» و «العارفين». وما قيل ينطبق بالعموم على رجال الدين وبالأولى على علماء الأصول، وبالمناسبة على علماء أصول الفقه: «فأما أصحاب أصول الفقه فلهم حظ في الإجماع والاختلاف ما لم يكونوا جفاة عن الدين». ومن هو «الجافي» عن الدين الذي ليس له الحق في أن ينظر في الاختلاف؟ وجواب الوارجلاني: والجافي هو الذي ذهب به فنه ومذهبه عن سنن القصد». ذلك أن من حدود الاختلاف، عنده، أنه يستبعد أنه كلاً ممن يسميهما (الباغي» و «الجافي» استبعاداً. وإذ عرفنا الجافي» الذي لا يحق له الاختلاف نظراً وفعلاً، فمن هو ضده العارف» الذي يسوغ له ذلك، لا سيما في الفقه وأصوله الذي هو مجال نظرنا هنا؟ يقول الوارجلاني: (اعلم أن الذي يجوز له الرأي والاجتهاد في النوازل من كان عارفاً أولاً بوضع الأدلة مواضعها من جهة العقل والشرع وطريق المواضعة في اللغة والشرع والتوقيف فيهما، ويكون عالماً بأصول الديانات وأصول الفقه، وعالماً بأحكام الخطاب في فنون الشريعة من العموم والخصوص والأوامر والنواهي والمفسر والمجمل والمنصوص والمنسوخ، ويعلم من النحو واللغة ما يفهم به معنى الكلام كلام العرب؛ فإنه يحتاجهما للقرآن والسُّنَّة والآثار، ويحتاج في السُّنَّة والآثار إلى طريقهما؛ فإنه لا غنى للسُّنَّة والآثار عن تصحيح طرقهما، فإن حرم المجتهد شيئاً من هذه الشروط كان راوياً لا عارفاً ومتفقهاً، ويكون صحيح الأمانة مأمون الخيانة سليم الديانة» (3). فإذاً كل مختلف مجتهد، فهل كل مجتهد مختلف؟

6 - سؤال الكيفية: كيف يمكن تدبير الاختلاف؟

لكن، حيثما وجد الاختلاف وجد من الناس من يسعى إلى الائتلاف بيد أن السؤال هو: كيف السبيل إلى تحقيق الائتلاف؟ ذلك أنه بعد أن ذكر الوارجلاني ظنية علم الفقه، وكونه مدعاة للاختلاف، طرح مشروعه الذي أراد تحقيقه في الكتاب: لذلك أردنا أن نشير إلى الطريقة الوسطى منها ونستعمل الجواز ونطرح الشواذ ونسلك مسلكاً قصداً بين الغلو والتقصير، ليقرب

(1) الوارجلاني: العدل والإنصاف الجزء الثانية، ص 3.

(2) المصدر السابق، الجزء الثاني، ص 3.

(3) المصدر السابق، الجزء الثاني، ص 4.