النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٢٤٩كتاب (العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف)
أ. د. محمد الشيخ
1249
أما آليات تدبير الاختلاف عنده، فقد أحصينا منها عدداً؛ ومنها على جهة السلب، «آلية اجتناب التقليد». قال الرجل: «وقد جعل الله للإسلام ضوءًا ومناراً كمنار الطريق، وحلاوة وطلاوة في اللها والحلوق، وسكوناً وقبولاً في النفوس والقلوب، والحق يصدق بعضه بعضاً ولا يكذب بعضه بعضاً، واجتنب التقليد في ما خالف التقييد والمنكر في الصدور والشواذ في الأمور والدين بين الغلو والتقصير ( … )). ومنها: أيضاً آلية تجنب التعصب للرأي وهو ما نبه إليه الوارجلاني بقوله: «اعلم أن ما يوجبه التخبط والتشبط بين الناس أن المتناظرين يبنون مناظراتهم على فروع أصولهم ويهملون أصولهم، ويبني كل واحد على أس نفسه» (2). والذي عنده أن التعصب للرأي يشبه إلف الأطفال بما ألفوه، لا يريدون أبداً الانفكاك عنه. وذلك: مثلما يجري لبعض الناس أن المطر إذا كان في بلادهم اعتقدوه في الدنيا كلها، والريح والجذب والخصب والجبال والرمال والقرار والبادية أجمع» (3).
هذا على جهة السلب؛ أي ما ينبغي، اجتنابه، أما على جهة الإيجاب؛ أي ما يلزم اتباعه، فنقول: ثمة الآلية الكبرى. وهي ما يمكن أن ندعوه - التأسي بصاحب كتاب العدل والإنصاف» نفسه «آلية البين بين»؛ بمعنى آلية الوسطية حيث لا إفراط ولا تفريط. ولطالما أعملها الوارجلاني، حتى أمكن نسبة فقهه إليها، والقول عنه: إنه فقه البينية. ذلك أنه من الجديد الذي أتى به الرجل أنه تفرد بمفاهيم خاصة قلما أولاها مجايلوه نفس الفرادة شأن بين بين»، و «أنفاس الأمة»، و «أنفاس الشريعة»، و «الوسع … وكلها، إذا ما هي تدبرت خير تدبر وجدت تدل على ما سماه الرجل عادة «الطريقة الوسطى»، ونسميها اليوم (الوسطية». أنظره، على سبيل المثال لا الحصر، يقلب النظر على جميع وجوهه في تعريف معنى الفعل البشري، فإنك تجده يلاحظ ما يلي: «اختلف الناس في حد الفعل، من قائل بقول القدرية، وذاهب مذهب المعتزلة ومتمذهب بالجهمية وبالجملة، ما بين واقف الفعل على الخالق، وعاز له إلى الإنسان والحال أنه ما أن ينهي عرض الآراء والتعقيب عليها، حتى يضيف: «وأهل الحق يقولون هي بين بين كانت منا فعلاً الله خلقاً» (4). ومن (4). واعتبر به، مثلاً، حين يتحدث عن اختلاف الفرق الكلامية في باب «المعدوم» أهو مأمور على الحقيقة أم لا، فيورد رأي القدرية النافي، ورأي الأشعرية المجوز لذلك الأمر بشروط، ويضيف: «وسلك المسلمون طريقة بين بين، فوافقوا المعتزلة في خلق الأمر والنهي، واختلفوا معهم في أنه آمر ناه، فمنعته القدرية وجوزته المسلمون، ووافقوا الأشعرية في أن الله تعالى آمر ناه لم يزل، وخالفوهم في أن
(1) الوارجلاني: العدل والإنصاف الجزء الأول، ص 5.
(2) الوارجلاني: الدليل والبرهان الجزء الثالث، المجلد الأول، ص 334.
(3) المصدر السابق، الجزء الثالث، المجلد الأول، ص 311.
(4) الوارجلاني: العدل والإنصاف الجزء الأول، ص 33.