النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٢٧

127

|

الاجتهاد الإجرائي في الفقه الإسلامي

أ. د. أحمد هندي

(1)

شامة والعز بن عبد السلام، لكن ظل تيار التقليد أقوى، ولم تستطع جهود هؤلاء الأعلام أن تعوق مسيرته أو اندفاعه). وبحلول القرن العاشر الهجري لم يبق سلطان غير سلطان التقليد، ولم يبق من الاجتهاد إلا اسمه، واقتصرت وظيفة العلماء في اختصار الكتب وشرحها والتعليق عليها، ورغم ظهور علماء أمثال الإمام السيوطي والإمام الشوكاني وغيرهما ادعوا الاجتهاد المطلق، ولكنهم لم يمنعوا استحكام التقليد وقصر التدريس على مذهب معين، خاصة تحاسد العلماء مع وتزاحمهم في الفتوى والإفراط في اختصار الكتب وفساد نظم التقليد، وشغف الناس بالمادة وفقدان الثقة بالنفس

(2)

و) عصر الصحوة والتحرر من التقليد مع تدوين الفقه:

مع مجيء القرن الرابع عشر الهجري (نهاية القرن التاسع عشر الميلادي) بدأت الدعوة إلى نبذ التقليد والعودة إلى الاجتهاد، وساعد على نجاحها التطور الزمني ونمو المعارف البشرية، والاحتكاك بين الحضارات الإنسانية، وتيسر سبل الاتصال بين الأمم، وانتشار التعليم، وقيام الجامعات، وظهور الصحافة والمجلات، فبدأت حركة تقنين الفقه الإسلامي، وتم التخلص من الكتب القديمة التي ألفت في عصر الجمود، إذ كانت تتسم بالتعقيد والالتواء وغموض الأسلوب، كما كانت الدعوة إلى مصادر الفقه الأول (الكتاب والسُّنَّة، وأخذ الأحكام الشرعية من منابعها الأصلية، ومحاربة التقليد، وعدم التمسك بمذاهب أو كتب معينة، بالإضافة إلى عدم التفرقة بين المذاهب الإسلامية المختلفة، وانتهت الدعوة إلى ضرورة الاهتمام بدراسة المذاهب الكبرى، والآراء الفقهية المعتبرة على قدم المساواة من غير تفضيل مذهب على مذهب، بالإضافة إلى الاهتمام بالدراسة الموضوعية المفيدة، حيث أبقت على جوهر الفقه، مع التخلّص من التعقيدات العلمية العقيمة القائمة على النظر الجدلي، مع العناية بدراسة الفقه المقارن).

وشهد هذا العصر تقنين الفقه الإسلامي، أي جمع أحكام المسائل في كل باب وصياغتها في مواد متتابعة مرقمة، بحيث تختار في حكم مسألة رأياً واحداً من بين الآراء المتعددة، ويكون هذا الحكم هو المختار بين سائر المتقاضين، وذلك لتوحيد الأحكام في المسائل المتشابهة، ولتيسير مراجعة الأحكام الفقهية على القضاة وغيرهم. وقد بدأ هذا التقنين مذهبياً، إلا أنه كان يتخذ

(4)

(1) وكان من أثر اتجاه الاجتهاد نحو التقليدي المحض أن كثرت المؤلفات الفقهية إلا أنها افتقدت عنصر الابتكار والإبداع والتجديد؛ لأنها عاشت في دائرة المذاهب الطبقية ولهذا بعدت الثقة من الحياة محمد الدسوقي: الاجتهاد والتقليد،

ص 184، 186).

(2) سيد محمد موسى، توانا، ص 93.

(3) انظر: بالتفصيل رمضان الشرنباصي: المدخل، 2012، ص 114 وبعدها.

(4) رمضان الشرنباصي: المدخل إلى الفقه الإسلامي، 2012، ص 118.