النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٢٥٢

1252

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

ذهب الوارجلاني إلى حد القول: ولا يجوز النسـ سخ في معرفة الله تعالى ولا الإباحة ولا الندب ولا النسخ في الأمور العقلية كلها؛ لأنَّ الشرع لا يأتي بخلافها). ولهذا ارتضى العقل معياراً لرفع

الخلاف بين الفقهاء، وذلك بطبيعة الحال بعد استنفاد النظر في القرآن والسُّنَّة والإجماع.

ومن آليات تدبير الاختلاف آلية التيسير». وهي مبنية عنده، على المبدأ: «وإذا وردت لفظة: افعل بعد الحظر وعريت من القرائن كانت إباحة، وهو الأليق بهذه الشريعة؛ لأنها مبنية على التيسير. قال الله: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. وقال: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 2178. وذلك؛ لأنَّ الأصل في هذا كله إباحات لا واجبات … ويعلق الوارجلاني محدثاً مفهوماً جوهرياً في فقهه ـ هو مفهوم «أنفاس الأمة»: ويراعى في هذا كله وفي أمثاله وما شاكله أنفاس الأمة». فليس يمكن أن نحبس على الأمة أنفاسها، وليس ينبغي ذلك بأي حال.

وفضلاً على هذه الآليات، ثمة ما يمكن أن ندعوه: آلية التخير». ذلك أنه بدل التقليد الذي يكرس فوارق الاختلاف، ثمة إمكان أن يتخير المرء ما يتعبد به في الفروع. والتخير دليل على التحرر من سلطة التقليد، وهو إذ يقول: «أتخير هذا الأمر، ففي قوله هذا حكمتان: أولاهما: أن الاختيار دليل على التعقل، وهو ثانياً: أمارة على عدم التعصب. ولهذا الأمر، فإنه عادة ما تحدّث الوارجلاني عما سماه «التخير بين أقاويل العلماء». وقد أسند هو آلية التخير» هذه إلى رأي حكيم قال به الصحابي الجليل أبو بكر الصديق: عن أبي بكر له قوله: «ما من عالم إلا وفي علمه مأخوذ ومتروك، ما خلا صاحب هذا القبر، فالتفت عن يمينه وأشار إلى وهو على المنبر». وقد علق الوارجلاني على هذه المروية بالقول: «وهذا الحديث على التخيّر بين أقاويل العلماء» (3). وهكذا، فإنه لطالما تخير الرجل أو استحسن. ولطالما ردد هو القول الترديد: «والذي أختاره ( … )»، ثم علل اختياره تعليلا)، أو قال: والذي أختاره أنا ( … ) (5)، أو أنشأ يقول: والذي أقول به وأستحسنه ( … )) (6).

قبر رسول

الله

(4)

على أن إعمال هذه الآليات جميعاً - وهي تفيد منحى الوسطية الذي ارتضاه لنفسه وانتحاه لذاته، ما كان ليمنعه أبداً من أن يتحيز إلى ما اعتقد أنه الحق. فعادة ما أنشأ يقول بعد أن كان

(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف، الجزء الأول، ص 155 - 165.

(2) المصدر السابق، الجزء الأول، ص 55. (3) المصدر السابق، الجزء الأول، ص 6. (4) المصدر السابق، الجزء الأول، ص 54. المصدر السابق، الجزء الأول، ص 69. (6) المصدر السابق، الجزء الثاني، ص 51.

(5