النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٢٥٥كتاب (العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف)
أ. د. محمد الشيخ
1255
المنورة: «فمن وزن بهذه الموازين فزاد وطفا وبخس فبغا ضل وغوى وهلك فتردى، ومن وزن وعدل وتحرى الصدق ولم يمل فاز ونجا» (1).
والحال أن لا سبيل إلى رفع استشكال هذا الموقف على الناظر إلا بفحص نظرية الحق عنده، ولا خفاء أن مفهوم «الحق يلعب دوراً أساسياً في نظرية العدل والإنصاف. وإن شعار الرجل لكان على وجه الدوام هو: ونجعل الحق أصلاً وأساساً بيننا وبين الأمة، وبيننا وبين أنفسنا» (2) ـ وذاك هو عين العدل عنده. وقد أضاف في مكان آخر بعد أن رام الإنصاف فضلاً عن العدل: «والعقل برهان والشرع تبيان فإنه ينبغي للعاقل المحق أن يحاسب نفسه كما يحاسب غيره». ولما يذكر الاختلاف يستعرض الآراء في من هو على حق من المختلفين، فيقول: «قال بعضهم: الحق في جميعهم كل من اختلف محق في اختلافه من حيث المبدأ، وفي ما أدى إليه اختلافه (الثمرة)] وقال بعضهم: الحق في واحد [ما كل من اختلف أصاب عين الحق واحد محق والآخرون مبطلون] وقد ضاق عن الناس خلافه. وقال أهل الحق [الحق] في واحد ولا يضيق على الناس خلافه» (4). ويضيف في مكان آخر: «فإن قال قائل: أراك أثبت على كل فرقة خطأها وضلالها وأنت بخلافها، واستدللت بذلك أنك على حق حين خالفت الباطل، فما تنكر أن يكون القولان سائغين جميعاً، فهذا مأجور وهذا معذور، وهذا مصيب وهذا قريب، والخطأ والصواب محمولان عن هذه الأمة في أكثر علومها، ذلك. قلنا: لسنا ننكر ذلك، ما لم يقع التدين وقطع العذر، وهو البغي الذي ذكره الله كل ومصادمة القرآن بغير أفعاله والرأي والإجماع. وإذ ينطلق من المقدمة التالية: «فوعد الله تعالى لهذه الأمة الهداية إلى الحق في كل أمر مختلف فيه لا بد لبعضهم أن يهتدي إلى الحق»، فإنه يرى أن ما كل فرق الإسلام بمهتدية إلى هذا الحق.
ووسعهم
والحال أن اعتماده المنطق دفع به إلى أن يبني تصوره للحقيقة على مقدمة أساسية: الحق واحد، والاعتقاد فيه متعدد لكن أنى لنا بأن نحدد الحق الواحد هذا؟ لا شك أن ثمة جهة واحدة - بين الجهات العدة - أصابت الحق، وأن الجهات الأخرى أخطأته، إذ ثمة جهة محقة نظير جهات مبطلة، هذا مع تقدم العلم أن المبطل له أجر الاجتهاد لا أجر إصابة الحق. وهذا الأمر ينطبق على الشرعيات (الحق عند الله واحد): وأما وجه الحق، فلا يكون شيء وخلافه حقين عند الله»،
(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف الجزء الأول، ص 9.
(2) الوارجلاني: الدليل والبرهان الجزء الثاني، المجلد الأول، ص 3. (3) المصدر السابق، الجزء الثاني، المجلد الأول، ص 3. (4) الوارجلاني: العدل والإنصاف الجزء الثاني، ص 12. (5) الوارجلاني: الدليل والبرهان الجزء الأول، المجلد الأول، ص 48. (6) المصدر السابق، المجلد الأول، ص 68.
(7) الوارجلاني: العدل والإنصاف الجزء الثاني، ص 15.