النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٢٥٦

1256

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

ويضيف في مكان آخر: وكل ما ليس في كتاب ولا سنة ولا إجماع فمختلف فيه، قال بعضهم الحق: [في] جميعهم، وقال بعضهم: الحق في واحد وقد ضاق عن الناس خلافه، وقال أهل الحق: الحق في واحد، ولا يضيق على الناس خلافه». وذلك مثلما هو ينطبق على العقليات أيضاً: «والاجتهاد في العقليات سائغ والحق فيه واحد). موقفه على الجملة في الفقهيات، أن الحق واحد، وهو يوجد في جهة واحدة ـ هي جهة أهل الحق الذي يعتقد بأنه ينتمي إليها، لكنه لا يضيق على الآخرين أن يجتهدوا، فلهم أجر الاجتهاد لا أجر الحق.

وهنا أيضاً يستحضر إمكان الاعتراض عليه: «إن سأل سائل فقال: ما الدليل على أن الحق في يدك دون غيرك، وغيرك يدعي مثل ما تدعي؟ وجوابه عن هذا الاعتراض الوجيه: «إن الحق في يدي ومعي اقتبسته من كتاب الله ل وسُنَّة رسوله لله والإجماع وآراء الصالحين - رضوان الله عليهم أجمعين - ومن دليل العقل والحس والقياس والحدس» (2).

صلے

والسهو

أخيراً، ختم الوارجلاني كتاب العدل والإنصاف» بالقول: «أستعتب كل مسلم قرأ هذا الكتاب أن يحمل كلامنا على أحسن وجوهه، وهو دين الله الذي تعبد به عباده وشرع فيه مراده، وقد قال رجل: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَبِكَ الَّذِينَ هَدَتْهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَيكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبَبِ} [الزمر: 18]، وحسبنا ما لا ينفك به الآدمي في غالب الحال من الخطأ والنسيان، وقد أوسع الله و عذراً للمستنبطين في فروع الشريعة في ألفاظهم ومعانيهم، فليوسعنا عذراً كما أننا نوسعه في مثل ذلك أعذاراً» (3). ذاك هو «العدل» بعد أن كان اتخذه الوارجلاني مبدأ في التعامل مع الغير المخالف في الفروع، صار يطالب به خصمه. غير أن ههنا مسألة دقيقة ـ وهي أنه يطلب من قارئه أن يوسعه عذراً، لكن يقر على نفسه ألا ينتحل للغير عذراً واحداً فحسب، وإنما أن ينتحل له أعذاراً تتلوها أعذار ـ وتلك لعمري من أعالي أخلاق العلماء. أكثر من هذا، يقر هو بما أقر به العماد الأصفهاني والثعالبي لما قال الأول: «إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلا قال في غده: لو غُيّر هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على كافة البشر»، وقال الثاني: «إن أول ما يبدو من ضعف ابن آدم أنه لا يكتب كتاباً فيبيت عنده ليلة إلا أحب في غدها أن يزيد أو ينقص منه، هذا في ليلة واحدة فكيف في سنين عدة؟»، ولهذا قال الوارجلاني في آخر كتاب «العدل والإنصاف»: «هذا مع اعترافي بقلة معرفتي، ورغبتي إلى من وقف على هذا المكتوب، ووقف منه على شيء من الغلط، أن يصلحه لوجه الله تعالى، ويستر

(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف الجزء الثاني، ص 13. (2) الوارجلاني: الدليل والبرهان الجزء الأول، ص 25. (3) الوارجلاني: العدل والإنصاف الجزء الأول، ص 10.