النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٢٦٠1260
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الماء في الأنهار، وتلتقط المعلومة من الأفواه، وتطبعها كما تنطبع الألوان على المادة فلا تنمحي أبداً، ولكن لما اختلط العرب بغيرهم ووجب عليهم تعليمهم ظهر في كلامهم الحديث عن القواعد والأصول، والإشارات إلى مآخذ استدلالاتهم واستنباطاتهم، وبدأ ذلك يزيد في كتبهم ويزيد ـ ولا أقول يتطور ـ حتى احتاج الناس لبيان كل شيء، من إعراب وشرح مفردات وقواعد وضوابط، لو أن الأوائل قرأوها لضحكوا منا كما يضحك الكبير العاقل من تصرفات الصغير الجاهل.
يدعون
هذا هو الواقع العلمي الذي سوف نقيم عليه الأدلة الدامغة والأمثلة المفحمة؛ لأنه قد ظهر قوم أننا أخذنا هذا الترتيب والتنظيم والصناعة من الغرب إبان عصر الترجمة، أو بعد ظهور حركة التأليف الغربية، وهذه ادعاءات باطلة لا يتبجح بها إلا مغرور متطاول، أو غر جاهل، وموضوعنا اليوم هو الذي سيلقم أولئك الحجر ويفصل للجميع الخبر، وسوف نرى كيف كان أسلافنا ألفوا علوماً وصنعوا كتباً فيها كل ما عنه يتحدثون وبتفرّدهم وسبقهم يتبجحون.
أهمية الموضوع: هذا موضوع مهم غاية الأهمية؛ لأنَّه يتعلق بصناعة العالم وإعداده إعداداً فكرياً لكي يتصدى للتأليف ونشر العلم وبيان الهداية للناس، فإذا ما تصدى لمسألة ما، أو سئل عن قضية ما يستطيع أن يستحضر المادة العلمية المضبوطة المنضبطة بأصولها وقواعدها. وهذا لا شيء مهم يجيده إلا المحققون من العلماء، وهو ما نسعى لصناعتهم. سبب اختيار الموضوع: أما سبب اختياري للموضوع فإن التنظيم العام لهذا المؤتمر هو الذي تفضّل علي وخصني به ظناً منهم أن عندي بعض علم في هذا المجال، فأرجو أن أكون عند ظنهم، وأعتمد. في ذلك التوفيق من
الله الله.
سن
منهجي في البحث وأما منهجي في البحث فقد اعتمدت على قراءتي واطلاعي على كتب الأقدمين من أئمتنا؛ لربط هذا الموضوع بما قرأناه وتعلمناه في مسيرتنا العلمية الطويلة، ثم اعتمدت بعد ذلك على القراءة المتأنية في كتاب (المستصفى) في أصول الفقه للإمام الغزالي، وربط أوله بآخره، والانتباه التام لكل ما أصل له، ووضع له النظرية المناسبة. واكتشاف أنه يؤلف على أسس التنظير فحسب، بل قسم النظريات وضبطها ضبطاً جميلاً، وبين فيه مقدرته على الصناعة العلمية الفنية.
لم
خطة البحث: ولكي نتحدث عن ذلك لا بد أن نمهد لذلك بتمهيد وأربعة مباحث، على حسب ما قسم به المؤلف كتابه.
أما التمهيد فأذكر فيه أمرين: الأمر الأول: أبين فيه باختصار معنى النظرية ومعنى التنظير الفقهي والعلمي والفرق بين القاعدة والنظرية والأمر الثاني: أذكر فيه بعض المؤلفات القديمة التي سارت على نهج التنظير والتوطئة للنظرية العلمية والفقهية.