النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٢٨128
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
من الآراء ما هو أصلح وأنفع للناس، وإن كان مرجوحاً، ومن ثم كانت حركة علمية تسعى لمواكبة الزمن والعصر، وتحاول أن تيسر التراث الفقهي للتطبيق. وتعد مجلة الأحكام العدلية التي صدرت في تركيا في أواخر القرن الثالث عشر الهجري (1293 هـ/1816 م) والتي وضعتها لجنة من هيئة كبار العلماء المختصين برئاسة أحمد جودت باشا، وصدرت الأوامر بالعمل بما جاء فيها في تركيا وسائر البلاد التابعة لها ولم يكن لمصر نصيب في العمل بتلك المجلة؛ لأنها كانت قد استقلت عن تركيا قبل ذلك بعامين، ورفض الخديوي إسماعيل تطبيقها رغبة منه في عدم التبعية للدولة العثمانية، وكان مولعاً بأوروبا وثقافتها فاتجه إلى قانون نابليون، في صورة قانون مدني مصري، فنقله إلى اللغة العربية واستحسن ذلك الشيخ مخلوف المنياوي، وأوضح أن القانون الفرنسي اعتمد على مذهب الإمام مالك، وأن في قانون نابليون موافقة لمذهب مالك) (1).
وتحتوى مجلة الأحكام العدلية على 1851 مادة، منتقاة من قسم المعاملات في المذهب الحنفي الذي عليه عمل الدولة، وإذا تعددت الأقوال عند الإمام أبي حنيفة وأصحابه، اختارت المجلة القول الذي رأته موافقاً لحاجات العصر والمصلحة العامة، وفصلت المجلة الأحكام بمواد ذات أرقام مسلسلة، كالقوانين الحديثة ليسهل الرجوع إليها والإحالة عليها. وحوت المجلة أحكاماً كثيرة من العقود والتصرّفات، منها البيوع والإجارات والشركات والوكالة والصلح والإبراء والقضاء والشفعة والكفالة والرهن والهبة والغصب وما إلى ذلك. وعقب ظهور المجلة العدلية (1326 هـ/ 1900 م) ظهر في تركيا قانون العائلات كان ينظم شؤون الزواج والفرقة، ولم تقتصر أحكامه على المذهب الحنفي، بل عدته إلى غيره من المذاهب الإسلامية الأخرى ومن هنا انتهت
فكرة التقيد بمذهب معين.
وبعد ذلك اتسع نطاق التقنين في جميع البلاد الإسلامية، ولم يعد مقصوراً على مذهب واحد أو على المشهور من المذاهب، وإنما عوّل على التراث الفقهي كله، كما أنه تجاوز قضايا المعاملات والزواج إلى القوانين الجنائية والإدارية وكان هذا التقنين في بعض البلاد يعدل على فترات مختلفة مراعاة لما هو أرفق بالناس وأكثر ملاءمة لمصالحهم، وإذا كان التقنين يمثل اتجاهاً جديداً في الدراسة الفقهية الحديثة إلا أنه لون من الاجتهاد؛ لأنه يقوم على كل الآراء، ويتولاه كبار الفقهاء وأهل البحث والنظر، وإن كان الاجتهاد الحديث تجاوز التقنين إلى مجالات أخرى،
(1) وحينما لم يتقبل الرأي العام في مصر ذلك قام قدري باشا بوضع مجموعة تشمل أحكام المعاملات وأحكام الوقف والأحوال الشخصية، فوضع في المعاملات كتاب مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان على هيئة 1049 مادة، بدأت بكتاب الأحوال وختمه بكتاب الصلح وكان يشير في الهامش إلى مصدر كثير من المواد. وفي أحكام الموقف وضع لها كتاب (قانون العدل والإنصاف للقضاء على مشكلات الأوقاف على هيئة 646 مادة). وفي الأحوال الشخصية وضع كتاب (الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية يحتوي على 647 مادة (محمد الدسوقي: الاجتهاد والتقليد، ص 188 وبعدها). (2) رمضان الشرنباصي: المدخل، 2012، ص 120.