النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٢٦٣

التنظير الفقهي في المدارس الفقهية

د. عبد العزيز العوضي

1263

فالقاعدة هي قوله وفي بضع أحدكم والنظرية هي: إن كل ما يفعله المسلم من حرام فعليه وزر، فإن فعل ما يضاده من حلال كان له أجر. سواء كان طعاماً أو شراباً أو نكاحاً أو شبه ذلك. والأمثلة كثيرة ولو لم يوجد إلا هذا المثال لكفي.

ثم إذا نظرنا بعد ذلك في أوائل ما صنف في كتب الفقه فنجد مثلاً: إن كتب الأصول عند الحنفية مرتبة على طريقة النظرية الفقهية العامة وهي الكتب الستة المشهورة للإمام محمد: الجامع الصغير، والجامع الكبير، والسير الصغير، والسير الكبير، والمبسوط، والزيادات، ففيها بيان أن الفقه مبني على نظريتين: هي نظرية العبادات، ونظرية المعاملات، ثم بيان أن العبادات تضم مجموعة من الأحكام تجمعها نظرية واحدة لها قواعد خاصة، وكذلك المعاملات، وهذا النهج موجود عند ابن جزي (ت: 741 هـ) في قوانينه التي قسم الفقه تقسيماً موضوعياً إلى قسمين: العبادات والمعاملات، وضمن كل قسم عشرة كتب وهذه هي بداية التقسيم الأساسي، ويحتوي كل كتاب على عشرة أبواب فانحصر الفقه عنده في عشرين كتاباً، ومائتي باب.

وهناك مثال صارخ ينص نصاً صريحاً على استعمال مسمى النظرية، وهو كتاب نظرية العقود لابن تيمية، وهو كتاب مشهور جداً، ولا مجال بعد هذا لإنكار وجود التنظير الفقهي في كتب الفقه الإسلامي وأصوله، كذلك في العلوم النظرية الأخرى. بل نجدها أوضح مما يقوله الذين يدعون أنهم ابتكروا النظرية الفقهية، ولو تصفحوا كتب الرازي صاحب التفسير الكبير لوجدوا أن أكثر كتبه التي هي في الفقه والتفسير والمنطق والطب وغير ذلك يسير فيها على منهاج وضع النظرية المحكمة. وكذلك الكاساني في بدائع الصنائع وغير ذلك من كتبه.

أما كتاب المستصفى للغزالي (ت: 505 هـ) فإن النظرية الفقهية المرتبة على أسس من الصناعة الفنية المحكمة المتقنة واضحة جداً، بل إنه سلك مسلكاً في التنظير لا يعرفه علماء الغرب ولا المستشرقون، ولو عرفوه لما ادعوا ذلك ولما نسبوه إلى أنفسهم، وهذا المسلك القديم الجديد هو أنه يذكر النظرية العامة وما ينطوي تحتها من نظريات متوسطة وبسيطة، ثم يعود فيتحدث عن النظرية المتوسطة ويذكر ما ينطوي تحتها من نظريات بسيطة، ويربط كل ذلك برابط واضح يؤكد عليه كلما انتقل من نظرية إلى أخرى، وكأنها خطة البحث التي يتعلمها اليوم طلبة الماجستير والدكتوراه، والتي نجعل لها عنواناً عاماً ومقدمة وتمهيداً وأبواباً، ثم نقسم الأبواب فصولاً، ونقسم الفصول إلى مباحث، ونقسم المباحث إلى مطالب والمطالب إلى فروع.

وهذا ما سوف نراه في المباحث القادمة إن شاء الله تعالى.