النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٢٦٩

التنظير الفقهي في المدارس الفقهية

د. عبد العزيز العوضي

1269

شاءَ أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى أَمْرِ إِبَاحَةٍ وَأَمْرِ إيجابٍ مَعَ أَنَّ صِيغَةَ الأَمْرِ قَدْ تُطْلَقُ لِإِرادَةِ الْإِبَاحَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصْطَادُوا} ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَأَنتَشِرُوا﴾. والثَّانِي: أَنَّ فِعْلَ المَنْدُوبِ طَاعَةٌ بِالاتِّفَاقِ. وَلَيْسَ طَاعَةً لِكَوْنِهِ مُراداً، إِذْ الأَمْرُ عِنْدنا يُفارِقُ الإِرادَةَ، وَلا لِكَوْنِهِ مَوْجُوداً أَوْ حَادِثاً أَوْ لِدَاتِهِ أَوْ صِفَةِ نَفْسِهِ، إِذْ يَجْرِي ذَلِكَ فِي المُباحات» (145/ 1). 5 - نظرية المكروه: وَهُوَ الَّذِي أَشْعَرَ بِأَنَّ تَرْكَهُ خَيْرٌ مِنْ فِعْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عِقابٌ» (125/ 1). ثم يذكر أقوالاً أخرى ويناقشها فيقول:

وقيل: تَرْكُ مَا هُوَ الْأَوْلَى وَإِنْ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ، كَتَرْكِ صَلاةِ الضُّحَى مَثَلَا لَا لِنَهْيِ وَرَدَ عَنْهُ وَلَكِنْ لِكَثْرَةِ فَضْلِهِ وَثَوابِهِ. قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ مَكْرُوهُ تَرْكُهُ. وقيل: ما وَقَعَتْ الرِّيبَةُ والسُّبْهَةُ فِي تَحْرِيمِهِ كَلَحْم السَّبُعِ وَقَلِيلِ النَّبِينِ. وَهَذا فِيهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّ مَنْ أَداهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى تَحْرِيمِهِ فَهُوَ عَلَيْهِ حَرَامٌ، وَمَنْ أَداهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى حِلِّهِ فَلا مَعْنَى لِلْكَراهِيَةِ فِيهِ إلا إذا كانَ مِنْ شُبْهَةِ الخَصْمِ حَزَازَةٌ فِي نَفْسِهِ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ، فَقَدْ قال له: الإِثْمُ حَزَازُ القَلْبِ فَلا يَقْبُحُ إِطْلاقُ لَفْظِ الكَراهَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ خَوْفِ التَّحْرِيمِ وَإِنْ كَانَ غَالِبُ الظَّنِّ الحِلَّ وَيَتَّجِهُ هَذا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ المُصِيبُ واحِدٌ، فَأَمَّا مَنْ صَوَّبَ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فَالحِلُّ عِنْدَهُ مَقْطُوعٌ بِهِ إِذا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الحِلُّ» (126/ 1).

وبيّن أن نظرية الحكم لها تعلق بنظريات أخرى وهي:

6 - نظرية الحاكم: وهو المخاطب بالحكم وهو الله تعالى. وبين أنه لا حكم إلا لله، وكل الأحكام الشرعية مستمدة من ذلك سواء كان من الحديث أو الإجماع أو القياس. أما في الحقيقة فلا حُكْمَ لِلرَّسُولِ وَلا لِلسَّيِّدِ عَلَى العَبْدِ وَلا لِمَخْلُوقٍ عَلَى مَخْلُوقٍ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَوَضْعُهُ لا حُكْمَ لِغَيْرِهِ) (159/ 1).

7 - نظرية المحكوم عليه: وهو المكلف، وَشَرْطُهُ: أَنْ يَكُونَ عاقِلا يَفْهَمُ الخِطَابَ، فَلَا يَصِرُّ خِطَابُ الجَمَادِ والبَهِيمَةِ بَلْ خِطَابُ المَجْنُونِ والصَّبِيِّ الَّذِي لا يُمَيّزُ؛ لأَنَّ التَّكْلِيفَ مُقْتَضَاهُ الطَّاعَةُ وَالامْتِثَالُ، وَلا يُمْكِنُ ذَلِكَ إِلا بِقَصْدِ الامْتِثَالِ، وَشَرْطُ القَصْدِ العِلْمُ بِالمَقْصُودِ والفَهْمُ لِلتَّكْلِيفِ، فَكُلُّ خِطَابٍ مُتَضَمِّنٌ لِلأَمْرِ بِالفَهْمِ، فَمَنْ لا يَفْهَمُ، كَيْفَ يُقالُ لَهُ: افْهَمْ؟ وَمَنْ لا يَسْمَعُ الصَّوْتَ كَالجَمَادِ كَيْفَ يُكَلَّمُ؟ وَإِنْ سَمِعَ الصَّوْتَ كَالبَهِيمَةِ وَلَكِنَّهُ لا يَفْهَمُ، فَهُوَ كَمَنْ لا يَسْمَعُ وَمَنْ يَسْمَعُ وَقَدْ يَفْهَمُ فَهْماً ما لَكِنَّهُ لا يَعْقِلُ وَلا يُثْبِتُ كالمَجْنُونِ وَغَيْرِ المُمَيِّزِ فَمُخاطَبَتُهُ مُمْكِنَةٌ، لَكِنْ اقْتِضاءُ الامتثالِ مِنْهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُ مِنْهُ قَصْدٌ صَحِيحٌ غَيْرُ مُمْكِن فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ وَجَبَتْ الزَّكاةُ والغَراماتُ والتَّفَقاتُ عَلَى الصِّبْيانِ، قُلْنَا: لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ التَّكْلِيفِ فِي شَيْءٍ، إِذْ يَسْتَحِيلُ التَّكْلِيفُ بِفِعْلِ الغَيْرِ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى العَاقِلَةِ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ

بِفِعْلِ الغَيْرِ وَلَكِنْ بِمَعْنَى أَنَّ فِعْلَ الغَيْرِ سَبَبٌ لِتُبُوتِ الغُرْم فِي ذِمَّتِهِمْ فَكَذَلِكَ الْإِتْلَافُ» (161/ 1).