النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٢٧٠

1270

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

وَمِلْكُ النّصابِ سَبَبٌ لِتُبُوتِ هَذِهِ الحُقُوقِ فِي ذِمَّةِ الصِّبْيانِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ سَبَبٌ لِخِطَابِ الوَلِيِّ بِالأَداءِ فِي الحالِ وَسَبَبٌ لِخِطابِ الصَّبِيِّ بَعْدَ البُلُوغ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُحالٍ إِنَّمَا المُحالُ أَنْ يُقالَ لِمَنْ لا يَفْهَمُ افْهَمْ، وَأَنْ يُخاطَبَ مَنْ لا يَسْمَعُ وَلا يَعْقِلُ. وَأَمَّا أَهْلِيَّةُ ثُبُوتِ الأَحْكامِ فِي الذِّمَّةِ فَمُسْتَفَادٌ مِنْ الإِنْسانِيَّةِ الَّتِي بِها يُسْتَعَدُّ لِقَبُولِ قُوَّةِ العَقْلِ الَّذِي بِهِ فَهُمُ التَّكْلِيفِ فِي ثاني الحالِ، حَتَّى إِنَّ البَهِيمَةَ لَمّا لَمْ تَكُنْ لَهَا أَهْلِيَّةُ فَهْمِ الخِطابِ بِالفِعْلِ وَلا بِالقُوَّةِ لَمْ تَتَهَيَّأ لإضافَةِ الحُكْمِ إِلَى ذِمَّتِهَا» (161/ 1).

8 - نظرية المحكوم فيه: وهو الفعل الاختياري، إذْ لا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ إِلَّا الأَفْعَالُ الاخْتِيارِيَّةُ. وَلِلدّاخِلِ تَحْتَ التَّكْلِيفِ شُرُوطٌ: الأَوَّلُ: صِحَّةُ حُدُوثِهِ لاسْتِحالَةِ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِالقَدِيمِ والبَاقِي وَقَلْبِ الأَجْنَاسِ، والجَمْعِ بَيْنَ الضَّدَّيْنِ وَسائِرِ المُحالاتِ الَّتِي لا يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِها عِنْدَ مَنْ يُحِيلُ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، فَلا أَمْرَ إِلَّا بِمَعْدُومٍ يُمْكِنُ حُدُوثُهُ.

وَهَلْ يَكُونُ الحادِثُ فِي أَوَّلِ حالِ حُدُوثِهِ مَأْمُوراً بِهِ كَما كَانَ قَبْلَ الحُدُوثِ، أَوْ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَأْمُوراً كَما فِي الحالَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الوُجُودِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَفِيهِ بَحْثٌ كَلامِيٌّ لَا يَلِيقُ بِمَقاصِدِ أُصُولِ

الفقه ذِكْرُهُ. الثَّانِي: جَوَازُ كَوْنِهِ مُكْتَسِباً لِلْعَبْدِ حاصِلا بِاخْتِيارِهِ، إِذْ لا يَجُوزُ تَكْلِيفُ زَيْدٍ كِتَابَةَ عَمْرٍو وَخِياطَتَهُ وَإِنْ كَانَ حُدُوتُهُ مُمْكِناً، فَلْيَكُنْ مَعَ كَوْنِهِ مُمْكِناً مَقْدُوراً لِلْمُخَاطَب

الثَّالِثُ: كَوْنُهُ مَعْلُوماً لِلْمَأْمُورِ مَعْلُومَ التَّمْيِيزِ عَنْ غَيْرِهِ حَتَّى يُتَصَوَّر قَصْدُهُ إِلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْلُوماً كَوْنُهُ مَأْمُوراً بِهِ مِنْ جِهَةِ اللهِ تَعَالَى حَتَّى يُتَصَوَّرَ مِنْهُ قَصْدُ الامْتِثَالِ، وَهَذا يَخْتَصُّ بِما يَجِبُ فِيهِ قَصْدُ الطَّاعَةِ والتَّقَرُّبِ.

والمَجْنُونِ

فَإِنْ قِيلَ: فالكافِرُ مَأْمُورٌ بِالإيمانِ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وَهُوَ لا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ. قُلْنَا: الشَّرْطُ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُوماً أَوْ فِي حُكْم المَعْلُومٍ، بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ العِلْمُ مُمْكِناً بِأَنْ تَكُونَ الأَدِلَّةُ مَنْصُوبَةٌ والعَقْلُ والتَّمَكُنُ مِنْ النَّظَرِ حاصِلاً، حَتَّى إِنَّ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ أَوْ مَنْ لا عَقْلَ لَهُ مِثْلُ الصَّبِيِّ وا لا يَصِحُ فِي حَقِّهِ الرّابِعُ: أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَصِحُ إِرادَةُ إيقاعِهِ طاعَةً وَهُوَ أَكْثَرُ العِبادَاتِ» (166/ 1). 9 - نظرية السبب: (وهو الذي يضاف الحكم إليه ويظهر به فيوجد بوجوده وينعدم بعدمه؛ لأَنَّهُ لَمَّا عَسُرَ عَلَى الخَلْقِ مَعْرِفَةُ خِطابِ اللهِ تَعَالَى فِي كُلِّ حالٍ لا سِيَّما بَعْدَ انْقِطَاعِ الوَحْيِ، أَظْهَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ خِطَابَهُ لِخَلْقِهِ بِأُمُورٍ مَحْسُوسَةٍ نَصَبَها أَشباباً لأَحْكامِهِ، وَجَعَلَهَا مُوجِبَةً وَمُقْتَضِيَةً لِلْأَحْكامِ عَلَى مِثالِ اقْتِضَاءِ العِلَّةِ الحِنِّيَّةِ مَعْلُولَها وَنَعْنِي بِالأَسْبابِ هَهُنا: أَنَّها هِيَ الَّتِي أَضَافَ الْأَحْكامَ إِلَيْهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) وقَوْله تَعَالَى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) وَقَوْلِهِ الله: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ». وَهَذا ظاهِرٌ فِيما يَتَكَرَّرُ مِنْ العِباداتِ كالصَّلاةِ