النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٢٩

129

|

الاجتهاد الإجرائي في الفقه الإسلامي

أ. د. أحمد هندي

كالتأليف الفقهي والموسوعات الفقهية، ومعالجة المشكلات التي يتعرّض لها المسلمون في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتربوية بروح علمية لا تعرف التعصب المذهبي، ولا تجمد على الموروث من الآراء، ولا تنفصل عن ظروف العصر ومشكلات الحياة الواقعية).

5 - نظرة على واقع الاجتهاد ومستقبله

بناء على هذا العرض التاريخي للاجتهاد والتقليد يمكن القول إن الاجتهاد قد رافقه التقليد

(2)

منذ وجوده، بل إن التقليد في حياة الأفراد هو الأصل، يوجد بعده الاجتهاد؛ لأن غالبية الأمة

لا تستطيع القيام بهذا العبء الثقيل، ولن تسمح طبيعة الحياة لجميع المسلمين بالاشتغال بالعلوم التي تمكنهم من الاجتهاد، لا سيما بعد أن طالت المسافة بين رجل الشرع وبين نصوص الشارع الحكيم، بين ما يتعلمه الإنسان من البيئة وبين ما يقرأه في كتاب الله وسنة رسوله الكريم. ولقد هبت رياح التقليد منذ ظهور لوازمه من التعلق بشخص أو بأشخاص بحسن الظن بهم، ويعتمد عليهم من دون غيرهم من العلماء (3).

لا شك أن مختلف العصور الإسلامية شهدت صراعاً بين النقل والعقل، بين التقليد والاجتهاد، فغلب الأول في عصر النبوة والخلفاء الراشدين، وازدهر الثاني في بداية الدولة العباسية، وارتبط في الأذهان أن التقليد الذي كان سائداً في العصور الأولى، هو الأولى، اقتداء بالرسول وصحابته، بينما في الاجتهاد بعد عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه. بينما الحقيقة التي عرضناها في تطور الاجتهاد، أنه كان موجوداً في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، للرسول وللصحابة، كما كان قائماً في عهد الخلفاء الراشدين، ومبرر ضيق مجاله هو وجود الرسول الذي كان ينقل الوحي إلى الصحابة، وكان الرسول يفسر الوحي، فالسنة كانت بمثابة المذكرة التفسيرية للقرآن، وكانت الأحداث محدودة، فشيوع النقل حينئذ لم يكن يرجع لرفض مبدأ الاجتهاد. بالإضافة إلى تمسك البعض بظاهر النصوص من أن كل بدعة ضلالة وأن كل ضلالة في النار، فلا يعقل أن كل اجتهاد يؤدي إلى بدعة وأننا يجب أن نتمسك بما كان عليه السلف حرفياً من دون إضافة أو تعديل أو تطوير.

لا شك أنه لا يمكن الاكتفاء بالنقل من دون العقل، أو بالتقليد ونبذ الاجتهاد، إذ إن لكلّ واحد مجاله، فكلاهما مطلوب فالنقل والتقليد لا خلاف على ضرورته في جميع الأحكام القطعية

(1) محمد الدسوقي: الاجتهاد والتقليد، ص 194 وبعدها.

(2) التقليد: هو الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، أو أن تقول بقول من تقلده وأنت لا تعرف وجه القول ولا معناه، وهو يقترب من الاتباع (إن تتبع القائل على ما بان لك من فضل قوله وصحة مذهبه) (انظر: محمد الدسوقي: الاجتهاد والتقليد، ص 203، 205). (3) سيد محمد موسى، توانا، الأفغانستاني، ص 90.