النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٢٧٧التنظير الفقهي
في
المدارس الفقهية
د. عبد العزيز العوضي
1277
ونظرية المُجْتَهَدُ فِيهِ وهو كُلُّ حُكْم شَرْعِيٌّ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ. واحْتَرَزْ بِالشَّرْعِيِّ عَنْ العَقْلِيَاتِ وَمَسائِلِ الكَلامِ، فَإِنَّ الحَقَّ فِيها واحِدٌ والمُصِيبَ واحِدٌ والمُخْطِئَ آثِمٌ. وَإِنَّمَا نَعْنِي بِالمُجْتَهَدِ فِيهِ ما لا يَكُونُ المُخْطِئُ فِيهِ آثِماً؛ وَوُجُوبُ الصَّلَواتِ الخَمْس والزَّكَواتِ، وَما اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ مِنْ جَلِيَّاتِ الشَّرْعِ فِيها أَدِلَّةٌ قَطْعِيَّةٌ يَأْثَمُ فِيها المُخالِفُ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مَحَلَّ الاجْتِهَادِ»، (370/ 2). ونظرية الترجيح: وهو المصير إلى أحد الأحكام عن نظر قوي تطمئن إليه نفس المجتهد،
وهذه نظرية تخص المتأخرين كثيرًا، ولذلك فقد بين مباحثها فقال:
1 - يَجِبُ عَلَى المُجْتَهِدِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ أَنْ يَرُدَّ نَظَرَهُ إِلَى النَّفْيِ الأَصْلِيِّ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، ثُمَّ يَبْحَثُ عَنْ الأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ المُغَيِّرَةِ فَيَنْظُرَ أَوَّلَ شَيْءٍ فِي الإِجْمَاعِ، فَإِنْ وَجَدَ فِي المَسْأَلَةِ إِجْمَاعاً تَرَكَ النَّظَرَ فِي الكِتابِ والسُّنَّةِ، فَإِنَّهُما يَقْبَلانِ النَّسْخَ، والإجماعُ يَقْبَلُهُ، فالإجماعُ عَلَى خِلافِ ما فِي الكِتابِ والسُّنَّةِ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلَى النَّسْخِ، إِذْ لا تَجْتَمِعُ الْأُمَّةُ عَلَى الخَطَأ.
أَوْ
مُخَصِّصات
ثُمَّ يَنْظُرُ فِي الكِتابِ والسُّنَّةِ المُتَواتِرَةِ عَلَى رُتْبَةٍ
واحِدَةٍ؛ لأَنَّ كُلَّ
واحِدٍ يُفِيدُ العِلْمَ القاطِعَ وَلا يُتَصَوَّرُ التَّعارُضُ فِي القَطْعِيّاتِ السَّمْعِيَّةِ إِلا بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُما ناسخا، فَمَا وُجِدَ فِيهِ نَصُّ كِتَابٍ سُنَّةٍ مُتَواتِرَةٍ أُخِذَ بِهِ، وَيَنْظُرَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى عُمُوماتِ الكِتابِ وَظَواهِرِهِ، ثُمَّ يَنْظُرَ العُمُومِ مِنْ أَخْبَارِ الآحادِ وَمِنْ الأَقْبِسَةِ، فَإِنْ عارَضَ قِياسٌ عُمُوماً أَوْ خَبَرُ وَاحِدٍ عُمُوماً فَقَدْ ذَكَرْنا ما يَجِبُ تَقْدِيمُهُ مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَفْظاً نَصَاً وَلا ظاهِراً نَظَرَ إلَى قِياسِ النُّصُوصِ، فَإِنْ تَعارَضَ قياسانِ أَوْ خَبَرانِ أَوْ عُمُومَانِ طَلَبَ التَّرْجِيحَ كَما سَنَذْكُرُهُ، فَإِنْ تَساوَيَا عِنْدَهُ تَوَقَّفَ عَلَى رَأْيِ وَتَخَيَّرَ عَلَى رَأْيِ آخَرَ كَمَا سَبَقَ»، (442/ 2).
«2 ـ قال فِي حَقِيقَةِ التَّعارُضِ وَمَحَلِّهِ: اعْلَمْ أَنَّ التَّرْجِيحَ إِنَّما يَجْرِي بَيْنَ ظَنَّيْنِ؛ لِأَنَّ الظُّنُونَ تَتَفاوَتُ فِي القُوَّةِ، وَلا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي مَعْلُومَيْنِ إِذْ لَيْسَ بَعْضُ العُلُومِ أَقْوَى وَأَغْلَبَ مِنْ بَعْضٍ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَجْلَى وَأَقْرَبَ حُصُولا وَأَشَدَّ اسْتِغْنَاء عَنْ التَّأَقُلِ، بَلْ بَعْضُهَا يَسْتَغْنِي عَنْ أَصْلِ التَّأْقُلِ وَهُوَ البَدِيهِيُّ وَبَعْضُهَا غَيْرُ بَدِيهِيٌّ يَحْتاجُ إلَى تَأَمُّلٍ، لَكِنَّهُ بَعْدَ الحُصُولِ مُحَقَّقٌ يَقِينِيٌّ لَا يَتَفَاوَتُ فِي كَوْنِهِ مُحَقَّقاً فَلا تَرْجِيحَ لِعِلْمٍ عَلَى عِلْمٍ؛ وَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِذا تَعارَضَ نَصَّانِ قاطِعَانِ فَلَا سَبِيلَ إِلَى التَّرْجِيحِ، بَلْ إِنْ كانا مُتَواتِرَيْنِ حُكِمَ بِأَنَّ المُتَأَخَّرَ ناسِخٌ، وَلا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُما ناسِخاً، وَإِنْ كانا مِنْ أَخْبَارٍ الأحادِ وَعَرَفْنَا التَّارِيخَ أَيْضاً حَكَمْنا بِالمُتَأَخِّرِ، وَإِنْ لَمْ نَعْرِفْ فَصِدْقُ الرّاوِي مَظْنُونٌ فَنُقَدِّمُ الأَقْوَى فِي نُفُوسِنا.
وَكَما لا يَجُوزُ التَّعارُضُ والتَّرْجِيحُ بَيْنَ نَصَّيْنِ قَاطِعَيْنِ فَكَذَلِكَ فِي عِلَّتَيْنِ قَاطِعَتَيْنِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْصِبَ اللَّهُ عِلَّةٌ قاطِعَةً لِلتَّحْرِيمِ فِي مَوْضِعٍ، وَعِلَّةٌ قاطِعَةٌ لِلتَّحْلِيلِ فِي مَوْضِعٍ، وَتَدُورُ بَيْنَهُما مَسْأَلَةٌ