النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٢٧٨1278
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
تُوجَدُ فِيها العِلَّتَانِ، وَنَتَعَبَّدُ بِالقِياسِ؛ لأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يَجْتَمِعَ قاطِعٌ عَلَى التَّحْرِيمِ وَقاطِعٌ عَلَى التَّحْلِيلِ فِي فَرْعٍ وَاحِدٍ فِي حَقٌّ مُجْتَهِدٍ واحدٍ، وَهُوَ مُحالٌ لا كالعِلَلِ المَظْنُّونَةِ؛ لأَنَّ الظُّنُونَ تَخْتَلِفُ بِالإضافاتِ فَلَا تَجْتَمِعُ فِي حَقٌّ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ فَإِنْ تَقاوَمَ ظَنّانِ أَوْجَبْنَا التَّوَقُفَ عَلَى رَأْيِ كَمَا لَوْ تَعَارَضَ قَاطِعَانِ، وَمَنْ أَمَرَ بِالتَّخْيِيرِ أَجابَ بِأَنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ نَصَانِ قاطِعانِ بِالتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّم وَتَأْخُرٍ، وَيَكُونُ مَعْناهُ التَّخْيِيرَ؛ لأَنَّ اللَّفْظَ لا يَحْتَمِلُ التَّخْيِيرَ، فَكَذَلِكَ التَّعَبُدُ بِالقِياسِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالتَّعْلِيلِ تَصْرِيحُ بِالنَّفْيِ، والإِثْباتُ لا يَحْتَمِلُ التَّخْيِيرَ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ فَيَكُونَ مُتَناقِضاً.
أَمَّا الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلَى تَعَبُّدِ المُجْتَهِدِ بِاتِّباعِ الظَّنِّ فَيَصْلُحُ لأَنْ يَنْزِلَ عَلَى اتِّبَاعِ أَغْلَبِ الظَّنَّيْنِ وَعِنْدَ التَّعارُضِ عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَهُما، فَإِنَّهُ أَمْرٌ بِاتِّباعِ المَصْلَحَةِ وَبِالتَّشْبِيهِ وَبِالاسْتِصْحَابِ فَإِذَا تَعَارَضا فَكَيْفَما فَعَلَ فَهُوَ مُسْتَصْحِبٌ وَمُشَبِّهُ وَمُتَّبِعٌ لِلْمَصْلَحَةِ.
أَمَّا القَواطِعُ فَمُتَضادَّةٌ وَمُتَناقِضَةٌ لا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ ناسِخاً وَمَنْسُوخاً فَلَا تَقْبَلُ الجَمْعَ، نَعَمْ، لَوْ أُشْكِلَ التَّارِيخُ وَعَجَزْنَا عَنْ طَلَبِ دَلِيلٍ آخَرَ فَلا بُدَّ أَنْ يُتَخَيَّرَ إِذْ لَيْسَ أَحَدُهُما بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ مَعَ
تضادهما.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ عِلْمٌ وَظَنُّ قُلْنَا: لا فَإِنَّ الظَّنَّ لَوْ خَالَفَ العِلْمَ فَهُوَ مُحالٌ؛ لِأَنَّ مَا عُلِمَ كَيْفَ يُظَنُّ خِلافُهُ؟ وَظَنُّ خِلافِهِ شَكٌ، فَكَيْفَ يُشَكُ فِيما يُعْلَمُ وَإِنْ وَافَقَهُ؟ فَإِنْ أَثْرَ الظَّنُّ بِالكُلِّيَّةِ بِالعِلْمِ فَلا يُؤَخِّرُ مَعَهُ»، (444/ 2).
3 - وقال في دَلِيلِ وُجُوبِ التَّرْجِيحِ فَإِنْ قالَ قَائِلٌ: لِمَ رَبَّحْتُمْ أَحَدَ الظَّنَّيْنِ، وَكُلُّ ظَنُّ لَوْ انْفَرَدَ بِنَفْسِهِ لَوَجَبَ اتِّباعُهُ؟ وَهَلا قَضَيْتُمْ بِالتَّخْيِيرِ أَوْ التَّوَقُفِ قُلْنَا: كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ التَّعَبُّدُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الظَّنَّيْنِ وَإِنْ تَفاوَتا، لَكِنَّ الإِجْمَاعَ قَدْ دَلَّ عَلَى خِلافِهِ عَلَى ما عُلِمَ مِنْ السَّلَفِ فِي تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأَخْبَارِ عَلَى بَعْضٍ لِقُوَّةِ الظَّنِّ بِسَبَبِ عِلْمِ الرُّواةِ وَكَثْرَتِهِمْ وَعَدالَتِهِمْ وَعُلُو مَنْصِبِهِمْ؛ فَلِذَلِكَ قَدَّمُوا خَبَرَ أَزْواجِهِ لا عَلَى غَيْرِهِنَّ مِنْ النِّساءِ وَقَدَّمُوا خَبَرَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها - فِي التِقاءِ الخِتَانَيْنِ عَلَى خَبَرِ مَنْ رَوَى لا ماءَ إِلا مِنْ الماءِ وَخَبَرَ مَنْ رَوَتْ مِنْ أَزْواجِهِ أَنَّهُ كانَ يُصْبِحُ جُنُباً عَلَى مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ الفَضْلِ بنِ عَبّاسٍ: أَنَّ مَنْ أَصْبَحَ جُنُباً فَلا صَوْمَ لَهُ»، وَكَما قَوَّى عَلِيٌّ خَبَرَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يُحَلِّفْهُ وَحَلَّفَ غَيْرَهُ وَقَوَّى أَبُو بَكْرٍ خَبَرَ المُغِيرَةِ فِي مِيرَاثِ الجَدَّةِ لَمَّا رَوَى مَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَقَوَّى عُمَرُ خَبَرَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ فِي الاسْتِثْذانِ بِمُوافَقَةِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ فِي الرِّوايَةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ تَتَبُّعُهُ. وَكَذَلِكَ إِذا غَلَب عَلَى الظَّنِّ كَوْنُ الفَرْعِ أَشْبَهَ بِأَحَدِ الأَصْلَيْنِ وَجَبَ اتِّبَاعُهُ بِالْإِجْمَاعِ، فَقَدْ فُهِمَ مِنْ أَهْلِ الإِجْمَاعِ أَنَّهُمْ تَعَبَّدُوا بِما هُوَ عَادَةٌ لِلنَّاسِ فِي حِراثَتِهِمْ وَتِجَارَتِهِمْ وَسُلُوكِهِمْ الطُّرُقَ المَخُوفَةَ، فَإِنَّهُمْ عِنْدَ تَعارُضِ الأَسْبابِ المَخُوفَةِ يُرَبِّحُونَ وَيَمِيلُونَ إِلَى الْأَقْوَى.