النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٢٧٩التنظير الفقهي في المدارس الفقهية
د. عبد العزيز العوضي
1279
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ تُرَبِّحُوا فِي الشَّهادَةِ بِالكَثْرَةِ وَقُوَّةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ، بَلْ يُقْضَى بِالتَّعارُضِ عِنْدَ تَناقُضِ البَيِّنَتَيْنِ؟ قُلْنَا: لأَنَّ أَهْلَ الإِجْمَاعِ لَمْ يُرَبِّحُوا فِي الشَّهادَةِ، وَقَدْ رَبَّحُوا فِي الرِّوايَةِ، وَسَبَبُهُ أَنَّ بابَ الشَّهَادَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّعَبُّدِ حَتَّى لَوْ أَتَى عَشَرَةٌ بِلَفْظِ الإِخْبارِ دُونَ الشَّهَادَةِ لَمْ تُقْبَلْ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مِئَةِ امْرَأَةٍ وَلا مِئَةِ عَبْدٍ عَلَى بِاقَةِ بَقْلِ»، (446/ 2).
4 - وقال فيما تُرَبَّحُ بِهِ الأَخْبارُ: اعْلَمْ أَنَّ التَّعارُضَ هُوَ التَّناقُضُ، فَإِنْ كَانَ فِي خَبَرَيْنِ فَأَحَدُهُما كَذِبٌ والكَذِبُ مُحالٌ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنْ كانَ فِي حُكْمَيْنِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيِ وَحَظْرٍ وَإِبَاحَةٍ فَالجَمْعُ تَكْلِيفٌ مُحالٌ فَإِما أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُما كَذِباً أَوْ يَكُونَ مُتَأَخَّراً ناسِخاً، وَإِمْكانُ الجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِالتَّنْزِيلِ عَلَى حالَتَيْنِ كَما إذا قالَ: الصَّلاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى أُمَّتِي الصَّلاةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى أُمَّتِي، فَنَقُولُ: أَرَادَ بِالأَوَّلِ المُكَلَّفِينَ، وَأَرادَ بِالثَّانِي الصَّبْيانَ والمَجانِينَ، أَوْ فِي حَالَتَيْ العَجْزِ والقُدْرَةِ أَوْ فِي زَمَن دُونَ زَمَنِ وَإِنْ عَجَزْنَا عَنْ الجَمْعِ وَعَنْ مَعْرِفَةِ المُتَقَدِّم والمُتَأَخِّرِ رَجَّحْنا وَأَخَذْنَا بِالْأَقْوَى. وَتَقَوِّي الخَبَرِ فِي نُفُوسِنَا بِصِدْقِ الرّاوِي وَصِحَّتِهِ، وَتَضْعِيفُ الخَبَرِ فِي نُفُوسِنا إمّا بِاضْطِرابٍ فِي مَثْلِهِ، أَوْ بِضَعْفٍ فِي سَنَدِهِ، أَوْ بِأَمْرٍ خارج مِنْ السَّنَدِ والمَثْنِ. أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّنَدِ وَالْمَثْنِ فَسَبْعَةَ عَشَرَ:
الأَوَّلُ: سَلامَةُ مَتْنِ أَحَدِ الخَبَرَيْنِ عَنْ الاخْتِلافِ والاضْطِرابِ دُونَ الْآخَرِ فَسَلامَتُهُ مُرَبِّحَةٌ فَإِنَّ ما لا يَضْطَرِبُ فَهُوَ بِقَوْلِ الرَّسُولِ أَشْبَهُ، فَإِنْ انْضافَ إِلَى اضْطِرابِ اللَّفْظِ اضْطِرابُ المَعْنَى كَانَ أَبْعَدَ عَنْ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ الرَّسُولِ فَيَدُلُّ عَلَى الضَّعْفِ وَتَساهُلِ الرّاوِي فِي الرِّوايَةِ.
لأَنَّهُ
فَإِنْ قِيلَ: فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ رِوايَةُ الزِّيَادَةِ فِي مَثْنِ الحَدِيثِ اضْطِراباً يُوجِبُ اطْراحَهُ قُلْنَا: لَا يَجِبُ؛ فِي مَعْنَى خَبَرَيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ إِلا أَنْ يُعْرَفَ مُحَدِّثُ بِكَثْرَةِ الانْفِرادِ بِالرِّوايَةِ عَنْ الحُفَّاظِ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَدِّمَ خَبَرُ غَيْرِهِ عَلَى خَبَرِهِ.
الثاني: اضْطِرابُ السَّنَدِ بِأَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِهِمَا ذِكْرُ رِجالٍ تَلْتَبِسُ أَسْمَاؤُهُمْ وَنُعُوتُهُمْ وَصِفاتُهُمْ بِأَسْمَاءِ قَوْمٍ ضُعَفَاءَ وَصِفَاتِهِمْ بِحَيْثُ يَعْسُرُ التَّمْيِيزُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَرْوِيَ أَحَدُهُما فِي تَضَاعِيفِ قِصَّةٍ مَشْهُورَةٍ مُتَداوَلَةٍ بَيْنَ أَهْلِ النَّقْلِ وَمُعارِضُهُ قَدْ انْفَرَدَ بِهِ الرّاوي لا فِي جُمْلَةِ القِصَّةِ، فَما رَوَى فِي الجَمَاعَةِ أَقْوَى فِي النُّفُوسِ وَأَقْرَبُ إِلَى السَّلامَةِ مِنْ الغَلَطِ مِمَّا يَرْوِيهِ الواحِدُ عارِيّاً عَنْ قِصَّتِهِ المَشْهُورَةِ.
الرّابِعُ: أَنْ يَكُونَ رَاوِيهِ مَعْرُوفاً بِزِيادَةِ التَّيَقُظِ وَقِلَّةِ الغَلَطِ، فالثَّقَةُ بِرِوايَتِهِ عِنْدَ النَّاسِ أَشَدُّ. الخامِسُ: أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُما: سَمِعْنا النَّبِيَّ، والآخَرُ أَنْ يَقُول: كَتَبَ إِلَيَّ بِكَذَا، فَإِنَّ التَّحْرِيفَ والتَّصْحِيفَ فِي المَكْتُوبِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي المَسْمُوع.