النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٢٨١التنظير الفقهي في المدارس الفقهية
د. عبد العزيز العوضي
1281
السَّادِسَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُما مُسْتَقِلا بِالإِفَادَةِ وَمُعارِضُهُ لا يُفِيدُ إِلَّا بِتَقْدِيرِ إِضْمَارٍ أَوْ حَذْفٍ، وَذَلِكَ مِمَّا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ زِيادَةُ التِّباسِ لا يَتَطَرَّقُ إِلَى المُسْتَقِلُّ.
السّابِعَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ رُواةُ أَحَدِ الخَبَرَيْنِ أَكْثَرَ فَالكَثْرَةُ تُقَوِّي الظَّنَّ، وَلَكِنْ رُبَّ عَدْلٍ أَقْوَى فِي
النَّفْسِ مِنْ عَدْلَيْنِ لِشِدَّةِ تَيَقُظِهِ وَضَبْطِهِ، وَالاعْتِمَادُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ المُجْتَهِدِ. هَذا ما يُوجِبُ التَّرْجِيحَ لأَمْرِ فِي سَنَدِ الخَبَرِ أَوْ فِي مَتْنِهِ؛ وَقَدْ يُرَبَّحُ لأُمُورٍ خَارِجَةٍ عَنْهَا وَهِيَ خَمْسَةُ: الأَوَّلُ: كَيْفِيَّةُ اسْتِعْمالِ الخَبَرِ فِي مَحَلَّ الخَبَرِ؛ كَقَوْلِهِ: «لا نِكَاحَ إِلا بِوَلِيٍّ» مَعَ قَوْلِهِ: «الأَيْمُ أَحَقُّ بِنَفْسِها مِنْ وَلِيّها»؛ لأَنَّا نَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّها أَحَقُّ بِنَفْسِها فِي الإِذْنِ لا فِي العَقْدِ، واللَّفْظُ يَعُمُّ الإِذْنَ والعَقْدَ وَهُمْ يَحْمِلُونَ خَبَرَنا عَلَى الصَّغِيرَةِ أَوْ الأَمَةِ أَوْ النِّكاح مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ، وَالخِلافُ واقعٌ فِي الكَبِيرَةِ وَهُمْ صَرَفُوا خَبَرَنا عَنْ مَحَلَّ الخِلافِ، وَنَحْنُ اسْتَعْمَلْنا الخَبَرَيْنِ فِي الكَبِيرَةِ، فَتَأْوِيلُنَا أَقْرَبُ فَإِنَّهُ لا يَنْبُو عَنْهُ اللَّفْظُ، بَلْ كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلا لَهُما، أَمَّا تَنْزِيلُ خَبَرِنا عَلَى الصَّغِيرَةِ وَالْأَمَةِ فَبَعِيدٌ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الخَبَرَيْنِ يُوجِبُ غَضّاً مِنْ مَنْصِبِ الصَّحَابَةِ فَيَكُونَ أَضْعَفَ، كَمَا رَوَوْا مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّحابَةَ بِإِعادَةِ الوُضُوءِ عِنْدَ القَهْقَهَةِ، فَخَبَرُنا وَهُوَ قَوْلُهُ: «كَانَ يَأْمُرُنا إِذا كُنّا مُسافِرِينَ أَنْ لا تَنْزِعَ خِفَافَنَا إِلا مِنْ جَنابَةٍ لا مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطِ أَوْ نَوْمٍ»، وَلَيْسَ فِيهِ القَهْقَهَةُ، فَهُوَ
أَوْلَى مِنْ خَبَرِهِمْ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الخَبَرَيْنِ مُتَنازَعاً فِي خُصُوصِهِ، والآخَرُ مُتَّفَقٌ عَلَى تَطَرُّقِ الخُصُوصِ إِلَيْهِ،
فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّهُ يَسْقُطُ الاحْتِجاجُ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَصِعٌ ذَلِكَ فَيَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ لَا مَحَالَةَ. الرّابِعُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الخَبَرَيْنِ قَدْ قُصِدَ بِهِ بَيانُ الحُكْمِ المُتَنازَعِ فِيهِ دُونَ الْآخَرِ كَقَوْلِهِ: «أَيُّمَا إهابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ لَمْ يُفَرِّقْ فِيهِ بَيْنَ ما يُؤْكَلُ وَبَيْنَ ما لا يُؤْكَلُ، فَدَلالَةٌ عُمُومِهِ عَلَى جِلْدِ ما لا يُؤْكَلُ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ نَهْيِهِ عَنْ افْتِرَاشِ جُلُودِ السّباع؛ لأَنَّهُ ما سِيقَ لِبَيانِ النَّجاسَةِ والطَّهَارَةِ، بَلْ رُبَّمَا نَهَى عَنْ الافْتِرَاشِ لِلْخُيَلاء أَوْ لِحَاصِّيَّةٍ لا نَعْقِلُها.
الحَامِسُ: أَنْ يَتَضَمَّنَ أَحَدُ الخَبَرَيْنِ إِثْبَاتَ مَا ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ فِي الحُكْمِ دُونَ الْآخَرِ حَتَّى تُقَدَّمَ رِوايَةُ عائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ: أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ حُرِّ؛ لأَنَّ ضَرُورَةَ الرِّقٌ فِي الخِيارِ قَدْ ظَهَرَ أَثَرُهُ، وَلا يَجْرِي ذَلِكَ فِي الحُرِّ»، (449/ 2).