النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٣٠

130

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

تتضمن

(قطعية الثبوت وقطعية الدلالة)، بينما الاجتهاد مطلوب في الأحكام الظنية. مع مراعاة أن الأحكام قطعية الثبوت والدلالة محدودة جداً، فإذا كان القرآن كله (بالإضافة إلى السنة المتواترة) قطعي الثبوت، إلا أن معظم أحكامه ظنية الدلالة (يمكن تفسيرها على أكثر من وجه)؛ فالآيات التي أحكاماً قطعية الدلالة لا يتجاوز عددها 232 آية، بينما باقي آيات القرآن (6000 آية) ظنية الدلالة، ومن هنا جاء القول بأن القرآن حمال أوجه. ولما كان معظم أحكام القرآن ظنية الدلالة، أمر مقصود كي تناسب مختلف العصور والأمصار؛ لأنها تمثل شريعة عامة خالدة، كما أن غالب السنة كذلك، بالإضافة إلى أن مجال الاجتهاد - ليس فقط الأحكام الظنية - وإنما ما لا نص عليه وهو الأوسع، فإن مجال الاجتهاد يكون فسيحاً رحباً.

وهو

من ناحية أخرى: فإنَّ للفقهاء الاجتهاد فيما لا يخالف الأحكام الشرعية الثابتة، قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، فلا يمكن لأحد أن يقول بما يخالف هذه الأحكام فلا اجتهاد مع النص، ولكنها أحكام محدودة. كما أن هناك أموراً لا نص فيها، ويمكن للفقهاء الاجتهاد فيما اجتهد فيه السابقون، ذلك أن اجتهاد السلف من الفقهاء الكبار، وإن كان ثروة كبيرة لا يجب التفريط فيها، بل يجب الاستفادة منها، إلا أننا لا يجب أن نقف أسرى لها فيمكن تطويرها بما يلائم مستجدات العصر ويحقق مصالح الناس. ورغم أهمية المذاهب الأربعة وغيرها من آراء الفقهاء المجتهدين، إلا أن دور فقهاء العصر لا يمكن أن يقف عند حد تقليدهم ونقل ما قالوه، ذلك أنه لا حجة لأحد من دون الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أن كل واحد يؤخذ منه ويرد عليه إلا الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ما يستتبع ضرورة الاجتهاد من الفقهاء، طالما أن المجتهد يستمد أحكامه من القرآن والسُّنَّة، فهو يستند إلى القياس والاستحسان والمصالح المرسلة وغيرها من وسائل استنباط الأحكام الشرعية. ويجب على المجتهد أن يعتمد على ذلك ولا يفتي بالهوى أو بناء على مبادئ عامة مثل مراعاة العدل والمساواة والمصلحة العامة من غير نظر إلى تفاصيل الشريعة والبحث عن مغزى هذه القاعد، وكيفية تطبيقها على الجزئيات.

من ناحية ثالثة: يجب أن يتصدى للاجتهاد أصحابه ممن تتوافر فيهم شروط المجتهد التي أوضحناها، فما أساء إلى الإسلام، وإلى الاجتهاد، وأدى إلى غلق بابه بعد عصر النهضة الإسلامية، أنه تصدى للاجتهاد أشخاص لا تتوافر فيهم شروط المجتهد، فأضل بعضهم الناس، وركن البعض الآخر إلى التقليد المحض، واختفى الابتكار والإبداع والتجديد، وجمدت الأحكام الشرعية عند قرون ماضية، كما تم التلاعب بالأحكام الشرعية وتسخيرها للرغبات والأهواء.

(1) انظر في ذلك الجابري بين العقل والنقل، وانظر كذلك: سامر إسلامبولي، تحرير العقل من النقل، وقراءة نقدية لمجموعة

من أحاديث البخاري ومسلم.