النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٣١

الاجتهاد الإجرائي في الفقه الإسلامي

أ. د. أحمد هندي

131

إن المجتهد ليس من يقلد غيره أو من يردد ما سبق أن قاله السابقون، وليس بالمتبع أو من يؤيد أو يرجح رأياً قال به غيره، أو من يبرع في استخدام الحيل أو يقوم بالتلفيق). فأي من هؤلاء ليس مجتهداً ولا فقيهاً ولا مفتياً، إنما المجتهد هو العالم بأصول دينه ومقاصد شريعته ولغته، والمتمكن من الفقه من يقرأ ويفرغ غاية مجهوده في التفكير والمقارنة والتحليل، وينتهي إلى استخلاص رأي في الأحكام الظنية، فهو يبذل غاية جهده في طلب الظن بحكم شرعي. إن مقولة اتبعوا ولا تبتدعوا هي خاصة بالأحكام القطعية قطعية الثبوت وقطعية الدلالة)، وأكثرها يكون في العبادات، أما الأحكام الظنية، وهي معظم الأحكام، وحيث لا نص فيجب أن يسود مبدأ ابتدعوا ولا تتبعوا في جميع العلوم - الدينية والدنيوية - أي أن يكون جل عمل المجتهد التفكير والابتكار في طلب العلم - الشرعي وغيره - مع الاستنارة بالثروة الفقهية للسلف.

لا شك في أن الاجتهاد هو أمر مطلوب في العصر الحالي، فازدهار الأمة يرتبط بالاجتهاد، فهو السبيل لتقدم الأمة الإسلامية، وغلق باب الاجتهاد يتعدّى ضرره إلى الأمة الإسلامية وإلى الفكر الإسلامي نفسه، فهو حكم على ذلك الفكر بالجمود، حيث تضيق الشريعة عن شمول الأحداث والحوادث المتجددة، وإيجاد الحكم المناسب لها، وهذا مخالف لما أجمع عليه المسلمون من أن الشريعة الإسلامية عامة وخالدة وخاتمة للشرائع، وأنها صالحة لكل زمان ومكان لعمومها وخلودها، أن تشمل مصالح الناس في كل عصر ومصر، ولا يكون ذلك إلا بفتح باب الاجتهاد (2).

فلا

بد

لا شك في حرمة الربا والزنا والقتل وغيرها مما حرمه الله بنصوص قطعية الثبوت والدلالة، إلا أن هناك أموراً عديدة مستجدات لم يكن لها وجود في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا تنظمها أحكام قطعية، بل أحكام ظنية وكثير منها لا نص فيه، وتحتاج لاجتهاد علماء الأمة الإسلامية من أمور لها من أعمال البورصة وأسواق رأس المال والتأمين، وعمليات البنوك الحديثة وغيرها. فهناك أفكار عديدة وتصورات لم تعرف من قبل، تحتاج للاجتهاد الواعي بمصالح الأمة، والمنطلق

لا

حصر

التلفيق في الاجتهاد: هو أن من يجتهد في بعض المواقع التي تكلّم فيها أكثر من مجتهد وقبله، وكان لهم فيه أكثر من قول، فيؤدي اجتهاده إلى الأخذ ببعض ما أخذ به بعض المجتهدين السابقين وإلى الأخذ ببعض ما أخذ به البعض الآخر منهم. (انظر سيد محمد موسى، الأفغاني، الاجتهاد، ص 548 وبعدها). والتلفيق حيث الآيتان بكيفية، لا يقول بها مجتهد، وذلك بأن يلفق، أي يجمع في قضية واحدة بين قولين أو أكثر يتولد حقيقة مركبة لا يقول بها أحد، كمن توضأ فمسح بعض رأس شعره مقلداً الشافعي وبعد الوضوء مس امرأة أجنبية مقلداً أبي حنيفة فإن وضوءه على هذه الهيئة حقيقة مركبة لم يقل بها كلا الإمامين. فإذا صلى به فإن الشافعي يعتبره باطلاً لنقضه باللمس، كما أن أبا حنيفة لا يجيزه لعدم مسح ربع الرأس. وهذه هي صورة التلفيق في إجزاء الحكم الواحد، ويعد تتبع الرخص لوناً من التلفيق، كما أن الأخذ من أكثر من مذهب في موضوع واحد، كنظام الأسرة أو النظام الاقتصادي بلغهم تلفيق؛ لأن فيه خلط عدة آراء ترتد إلى بعض المذاهب أو الأئمة. (انظر

محمد الدسوقي: الاجتهاد والتقليد، ص 229).

(2) انظر: عبد الباسط ثابت محمد علي الاجتهاد، ص 334.