النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٢٩٣ملامح
التجديد عند الإمام يحيى بن حمزة
د. عبد السلام عباس الوجيه
1293
الفقهية الإسلامية، بل يتميز عن الموسوعة ويتفوق عليها ويتجاوزها من حيث إنه عالم حي بحوار الأفكار والآراء وتقارع الحجج والبراهين، وباتفاق واختلاف الآراء والمذاهب، فهو بحث واسع للفقه المقارن الذي يستخدم في منهجه إيراد الآراء، ثم فحصها ومقارنتها في كل مسألة، ثم يعود إلى تقرير (المختار) لديه ممعناً في الاستدلال عليه بأسلوب العالم المتجرد من كل الأهواء، ويختم كل مسألة بإيراد (الانتصار الذي يناقش آراء وأقوال مخالفيه بحصافة الناقد البصير، وبصيرة الناقد الحصيف وعمق المجتهد المطلع، وإنصاف الورع الذي لا يتغيا غير الحق، ولا يستهدف سوى الحقيقة، وهي طريقة من يعرف أنه ليس بعد الحق إلا الضلال، وليس وراء الحقيقة إلا الخيال».
خلاصة منهجه وقواعده من خلال مقدماته لكتابه الانتصار
أولاً: الباعث لتأليف الكتاب
حدده المؤلف بقوله: الباعث على هذا الإملاء غرضان:
فالغرض الأول منهما هو: إن العلم لما كان من أعلى المراتب وأسناها وأشرف المناقب وأرفعها وأحظاها، وأنفس الأعمال وأزكاها، وأشرف ما يخلفه الإنسان بعد الموت، لشرفه وعلو فائدته في الدين … فأحببت أن يكون لي بعد الموت ما عسى أن يبقى ثوابه ولا ينفد أجره، تصديقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَعَاثَرَهُمْ﴾ [يس: 12]، وفي الحديث عن صاحب الشريعة - صلوات الله عليه -: إذا مات ابن آدم انقطع عنه سائر عمله إلا ثلاثة: علم ينتفع به، أو صدقة تجري، أو ولد صالح يدعو له».
والغرض الثاني: إن الله تعالى لما وفقني لإتمام كتاب (العمدة في المباحث الفقهية) وكنت قد اقتصرت فيه على ذكر المذهب ودليله، وذكر من خالف مذهبنا أو وافق من علماء الأمة وفقهاء العامة، وألغيت ذكر أدلة المخالفين، وذكر المختار من الأقاويل في المسألة، وتقرير الحجة عليه، ووعدت في صدر الكتاب أن الله تعالى إن نفس لي في المهلة وتراخى الأجل ضممت إليه كتاباً، فلما أنجز الله العِدّةَ، وصدق الرجاء بتنفيس المدة، ابتدأت بتأليف هذا الكتاب فأجعله كتباً، ثم أضمن الكتب أبواباً، ثم أحشو الأبواب فصولاً، والفصول مسائل، فأذكر في كل مسألة من خالف فيها، وأورد لكل مجتهد حجته من الأدلة، ولم آل جهداً في تقرير كل مذهب من تلك المذاهب بدليله وإيراد أحسن ما أجده في نصرته وتقرير مقالته، حتى إذا أكملت المذاهب بأدلتها في المسألة ذكرت المختار من تلك المذاهب وقررته بحجته، وأوردت الانتصار بإبطال ما خالفه، فصار في سياقه مرتباً على مراتب ثلاث: