النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٢٩٦

1296

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

وجملة الأمر أن المسائل منقسمة بالإضافة إلى ما يتعلق بأمور الديانة إلى عقلية ونقلية. فأما العقلية: فهي ما كان متعلقاً بالعقائد الإلهية، نحو العلم بالذات وصفاتها وأحوال الحكمة والوعيد وأحوال المعاد وغير ذلك، وما هذا حاله فالحق فيه واحد والتعبد فيها بالعلم القاطع وما عداه خطأ وجهل، وقد قررناه في الكتب الكلامية.

وظنية.

وأما النقلية فهي ما كان متعلقاً بالسمع لا مجال للعقل فيه، وهي منقسمة بالإضافة إلى قطعية

فما كان مقطوعاً به منها فهي المسائل الأصولية القطعية.

وما كان غير مقطوع به فهي المسائل الظنية الاجتهادية والمعيار الصادق والفصل الفارق بين ما يكون مقطوعاً به فيكون من فن الأصول، وبين ما يكون ظنياً فيكون من الفقه ـ فما كان المعتمد في تقريره وإثباته مسلك قاطع، إما نص الكتاب وإما نص السنة المتواترة أو الإجماع المقطوع المتواتر أو تصرّف العقل وحكمه، فهو قاطع، وما هذا حاله فهو لاحق بالمسائل الأصولية والحق فيه واحد، وما عداه محكوم عليه بالخطأ؛ لأن العلم ونقيضه لا يكونان صواباً، بل لا بد من أن يكون أحدهما خطأ، وجهلاً، وما كان من المسائل مستند إثباته وتقريره مسلك ظني نحو ظاهر الكتاب أو نص السنة الأحادية أو ظاهر نصها المتواتر، أو إجماع منقول بالآحاد أو غير ذلك من المسالك المظنونة، فهو لاحق بالمسائل الظنية الاجتهادية، ولهذا فإن القياس وخبر الواحد وأن الأمر للوجوب والنهي للتحريم كلها معدودة من المسائل الأصولية؛ لأن المستند في تقريرها هو الإجماع القاطع والنصوص الواردة الشرعية على إثباتها، ولم تستند إلى مسلك ظني، وعلى هذا يكون ما يكون مستنداً إلى الأخبار الآحادية، نحو مسائل الصلاة، وأحوال العبادات والمعاملات من البيع والشراء والإجارات وغير ذلك من المسائل الشرعية، كلها تكون ظنية اجتهادية، ومن ثم قضينا بأن في اللغة لفظة موضوعة للعموم ولوقوع الاشتراك في اللغة بكونها أصولية لما كان مستندها دليلاً قاطعاً وهو الإجماع، فيكون الحق فيها واحداً، وما لا قاطع فيه فهو من فنّ الاجتهاد والكل فيه مصيب كما سنوضحه بعد هذا ونفرد له كلاماً يخصه.

إن وقع الإجماع على مسألة من مسائل التحليل والتحريم وإن لم تعد من المسائل الأصولية، نحو جواز الصلاة في الثوب الواحد، فإنه يكون قاطعاً ولا يعد من المسائل الاجتهادية لإسناده إلى الإجماع القاطع. فتنخّل من مجموع ما ذكرناه أن الحكم الاجتهادي هو ما كان مستنداً إلى مسلك ظني من المسائل الشرعية، فإذا أراد الناظر الوقوف على حقيقة التفرقة وإدراك ماهيتها فليمتحن المسائل النقلية بنظره، فإن وجد هناك مسلكاً قاطعاً عرف أنه ليس مجتهداً فيها بحال، وأنها تردّه عن الاجتهاد مقطوعاتها، وأن الخطأ في خلافها، سواء كان ذلك المسلك عقلياً أو نقلياً أو غير