النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٣١٦

1316

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

المشرع، فكانت مهمتهم صعبة للغاية وهو الحفاظ على روح الحكم الشرعي الديني وفي الوقت نفسه إلى العالم المتغيّر، الذي يبحث عن آلية تفعيل الحكم الثابت في أجزائه، فالأمر وإن كان نظرياً سهلاً، إلا أن الخطورة تكمن في تطبيق الأبعاد الأربعة في الفتيا.

وإن كانت هناك محاولات كثيرة على مستوى التنظير، وعرفت بما هو أعم بـ: «الثابت والمتغير»، ولكن تظل هذه المحاولات تثمن؛ لأنها تحاول الحفاظ على الموروث الديني الأصيل وتقديم ما يأخذ بيد الجيل فيربط متغيره وحداثته بذلك الثابت الأصيل.

ولربما يختلف الأمر بين المشرّع نفسه وبين المتشرّع، فإن المشرّع لما يضع الحكم لا من باب الحكومة الإلهية فقط؛ بل إن هناك من الإحكام ما يضطر المشرّع أن يجعل نفسه في مقام الولي المتصرف في أمر من يتولى شأنه، ولنقرب المعنى ببيان آخر …

إن الحكم الشرعي اذا حلّلناه نجده ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الاول: القسم المفهومي.

القسم الثاني: القسم المصداقي.

القسم الثالث: قسم التطبيق وآلية التفعيل.

وقد يتصور البعض أن القسم المفهومي ما يختص به الشارع المقدس، وأما القسم المصداقي وآلية التحقيق والتنفيذ فمن مختصات المكلف ..

إلا أننا نشاهد في كثير من الأحيان تدخّل الشرع المقدس في بيان المصداق والآلية أيضاً، ولعل هذا بما يراه الشارع المقدس من احتياج المكلف إلى إرشاد على مستوى بيان المصداق وآلية التنفيذ أيضاً، وليس مجرد بيان الحكم المفهومي.

وهذا ما نشاهده أيضاً في المشرع نفسه، أو في من هو في مقامه: من قبيل النبي صلى الله عليه وسلم وآله وأصحابه المنتجبين، الذي كان يحدّد المصاديق للصحابة الأجلاء، ويرشدهم إلى الصواب، بعد أن يعلمهم كيفية التشاور والتحاور .. ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159]. وهذه الطريقة في التعامل مع النصوص يفتح آفاقاً بلحاظ هذه الأبعاد الأربعة، الأمر الذي يخلق لدى الفقيه رؤى ومنطلقات للتعامل مع المستجدات في الحياة.

والفقهاء - وبشكل عام - نجدهم لا ينفكون عن تطبيق مثل هذه الطريقة في التعامل مع النصوص، ولن نعدو الحقيقة أن الإنسان محتاج إلى هذه العناصر الثلاثة في تعاملاته، ولكن عالم النصوص ليختلف نظراً إلى ما يحمله من قداسة النص، فليس من السهل تجاوز الحكم المفهومي برأي قد يكون مخالفاً له؛ فهماً وتطبيقاً، ويزيد الأمر خطورة لو لاحظنا ما للحكم