النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٣١٩

كتاب (جمل العلم والعمل للشريف المرتضى

الشيخ هلال بن حسن اللواتيا

1319

الواقعية، ولم يكن نظرهم إليها بأنها مجرد رمز، أو أنها مفاهيم أخلاقية دينية في عرض مفاهيم أخلاقية وضعية، أو أنها أحكام تقنينية في عالم الفقه في عرض أحكام تقنينية في عالم القانون الوضعي، بل الأمر أعظم من هذا كله، وأبعد شأناً وغوراً.

فمن هنا كان العلماء المتقدمون ينظرون إلى أنفسهم بأنهم شُرِّفوا بوضع لبنة هذا البناء العظيم، والصرح الرفيع، وأنها لمرتبة لا تدانيها مرتبة، وكيف لا يكون هذا حالهم وهم يعلمون جيداً أن مدرسة الوحي هي الوحيدة التي تملك ما يلبي احتياجات الفطرة، وبأكمل وجه، وعلى خير صراط، وأفضل دليل.

دور السيد المرتضى في هذه المسيرة الخالدة:

والآن لنتعرض لدور السيد المرتضى في مسألتين مهمتين لهما دور كبير في العلم المنقول والمعارف الدينية، وقد نقّحهما الأشاعرة والمعتزلة بشكل دقيق، وقد بذلوا جهداً فيهما وهما: «حجية الخبر»، و «التعارض»، وهما مهمتان جداً، إذ إننا نجد أن المعارف الدينية كلها أساسهما

على «الخبر».

فالمسألة الأساسية هي: كيف يمكن تمحيص هذه الروايات التي وصلت الينا في زماننا؟ وكيف ننسب هذه الروايات إلى الشريعة المقدسة؟ وما هو الشيء الدقيق الذي يكون في خدمة كمال الإنسان؟ وماذا تريد مدرسة الوحي الإلهي من الإنسان؟ إن هذا البحث أخذ مساحة كبيرة في المدرسة الإسلامية؛ نظراً إلى ما لهذا الموضوع من الأهميَّة المتعلّقة بالخبر الشرعي.

أولاً: حجية الخبر

المدارس الإسلامية الثلاث

والمدارس التي ظهرت من القرن الثاني إلى يومنا هذا؛ والتي تمكنت بما لديها من الإمكانات لمعالجة هذا الموضوع، وتقديم ما لديها؛ يمكن حصرها في ثلاث مدارس رئيسية، وهي:

1 - مدرسة الرأي: وقد ذهب إلى هذه المدرسة الكثير من المسلمين، وحاصله: أن الشارع المقدس قد تعبدنا بخبر الثقة، فإذا وردنا خبر من الثقة فعلينا أن نأخذه من دون البحث في طريقة تلقيه الخبر. والأعلام وضعوا مجموعة من المعايير في الأخذ بخبر الثقة، فإذا توفرت الشرائط والمعايير فإنه يكون حجة، أي أن الحجية تعبدية، ومن أهم الأدلة التي سيقت في إثبات هذا المطلب آية التبيين قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَا فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].