النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٣٣الاجتهاد الإجرائي في الفقه الإسلامي
أ. د. أحمد هندي
133
-
ويصدق ما سبق قوله بصدد الاجتهاد وتطوره - على القانون الموضوعي، فالأحكام التي تنظم علاقات الناس ببعضهم وبربهم، نظمتها الشريعة الإسلامية ممثلة في القرآن والسُّنَّة والاجتهاد، والمبني على القياس والمصالح المرسلة وسد الذرائع. أما الإجراءات الواجبة الاتباع أمام المحاكم، فإنها في معظمها تبنى على الاجتهاد؛ لأنها من قبيل وسيلة حماية الحقوق، التي اجتهد الفقهاء في تنظيمها، على ألا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية القطعية، أو مع المبادئ التي أرساها الشرع الإسلامي.
ويصدق على الفقه الإجرائي لدى الفقهاء المسلمين ما سبق عرضه بصدد اجتهاد الفقه الإسلامي في الأحكام الشرعية فالفقه الإجرائي ازدهر في فترات ازدهار الاجتهاد، وتعرض للجمود في عصور التخلف والتقليد. فالفقهاء المسلمون الذين اجتهدوا في عصر الرسول والخلفاء الراشدين، وزاد اجتهادهم في عصر الدولة الأموية، وازدهر وبلغ أوجه في عصر العباسيين، اجتهدوا أيضاً بنفس الدرجة إجرائياً في تلك العصور المختلفة. كما أصابهم الجمود في عصر التقليد من
منتصف القرن الرابع الهجري.
ففي عصر النهضة وازدهار الاجتهاد نهض فقهاء المسلمين وتصدوا للمسائل الإجرائية، تنظيم الإجراءات الواجبة الاتباع لحصول صاحب الحق على حقه من القضاء أو الحاكم. فنجد ابن فرحون المالكي (شمس الدين أبي عبد الله محمد بن فرحون البصري (المالكي يضع مجلداً من جزأين تحت عنوان (تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام)، قسمه تقسيماً عصرياً، إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول: هو قسم المقدمات التي تبنى عليها الأحكام، قسمه إلى خمسة أبواب، الباب الأول: عالج فيه حقيقة القضاء ومعناه وحكمه وحكمته، وفي الباب الثاني من هذا القسم: خصصه لفضل ولاية القضاء والترغيب في القيام فيها بالعدل وحكم السعي في طلب القضاء، وما يجب من ذلك ويباح ويستحب ويكره ويحرم. أما الباب الثالث: فخصصه لما يستفاد بولاية القضاء من النظر في الأحكام وما ليس للقاضي النظر فيه، وذكر مراتب الولايات. أما الباب الرابع: فعالج فيه الألفاظ التي تنعقد بها الولايات والشروط المفسرة لها، بينما خصص الباب الخامس من هذا القسم الأول لأركان القضاء وهي ستة القاضي والمقضي به والمقضي له والمقضي فيه والمقضي عليه وكيفية القضاء. وهو تقسيم يقترب من التقسيم الحديث في الفقه الإجرائي، ويعالج نفس الأحكام التي يعالجها الفقه الحديث. ولقد عالجها ابن فرحون بعمق وتحليل ينمان عن فهم عميق لها، ومستوحياً إياها من القرآن والسُّنَّة وعمل الرسول والصحابة وكبار الفقهاء وأئمة المذاهب. عالج ابن فرحون في هذا القسم أفكاراً إجرائية مهمة لا تختلف عما هو بالفقه الإجرائي الحديث، لدى الغرب، حيث تكلم في المقضي فيه ومجلس القاضي وعزل القاضي واستخلافه، والمقضي به وحكم القاضي ونقض حكمه، وأنواع الأحكام وألفاظ الحكم وثبوته، وتنفيذ حكم القاضي وتسجيله،