النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٣٢٢

1322

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

إننا بحسب الارتكاز العقلائي وصلنا إلى قناعة معينة، ونجد أن كل البشر يتشاركون في هذه الخصوصية، فمثلاً نجد البوذيين يمارسون مجموعة من الممارسات، ومجموعة من الطقوس، وينسبونها إلى «بودا»، فإننا لما نريد أن ننسب إلى بوذا تلكم الممارسات لا بد من النظر إلى جميع البوذيين، والنظر إلى تلكم الممارسات، فإن وجدنا مطابقتهم عليها في كل مكان وجودهم، وأن القرائن والشواهد الدقيقة المعتمدة لدى كبار شخصياتهم كابراً عن كابر تدل على المطابقة في الممارسة، ونسبتهم إياها إلى بوذا، ففي هذه الحالة نطمئن بصدور تلكم الممارسة من بوذا، أو تعليماته فيها.

ولكن إن وجدنا اختلافاً بين البوذيين في الهند عن البوذيين في الصين، ففي هذه الحالة يقتضي البحث التأمل والتريث، والبحث بدقة أكبر وأعمق للتوصل إلى الحقيقية، وهنا يحتاج الأمر إلى تفريغ الوسع، وبذل الجهد في استخراج الحقيقة من بطن الشواهد والقرائن، وترجيح هذا على ذلك بالمرجحات المعتمدة. ولو افترضنا أنه

لم يصل إلى ما يرجح هذا على ذاك، ففي هذه الحالة يكون المختار التوقف،

أو الاحتياط، إذاً لا بد من النظر إلى التلقي والقبول ثم ننسب ذلك إلى بوذا.

فالسيد المرتضى يبني على جميع القرائن ويحصل له ظهور، فحينها فقط يستطيع نسبة ما وصل إليه من الحكم إلى النبي الله وآله وأصحابه المنتجبين، وهكذا الحال في سائر القضايا الإسلامية ومعارفه على الإطلاق.

مثال آخر: هناك الآن مدرسة جديدة تريد القول: إن في القرآن الكريم ثلاثة أوقات للصلاة، فبناء عليه علينا أن نصلي ثلاثة أوقات فقط، ولكن مع النظر إلى الشواهد والقرائن والتي هي سيرة المسلمين قاطبة فسنجد أن الصلوات خمس، وغاية الآية تحديد الوقت، وهي ساكتة عن

تحديد العدد.

فهناك رأي يقول علينا أن نأخذ القرآن الكريم فقط في الأخذ بالأحكام الشرعية، ولكن مسلك السيد مرتضى يقول هذا ليس منهجاً علمياً.

هذا هو منهج السيد المرتضى بهذه الأمثلة التي ضربناها لك عزيزي القارئ، وبشكل مختصر جداً: فإن مسلكه يتلخص في ضرورة تحديد المحاور أولاً، ومن ثم النظر إلى ما يفيده المحور بجمع الشواهد، وتجميع القرائن والنظر بالدقة العلمية فيها، ومنها يصل المرء إلى المراد. كما أن الذي يثبت لدى السيد المرتضى ليس الخبر بمتنه، بل الحكم، أي أن الطريق إلى الحكم الفلاني هو هذا الطريق وليس خبر الثقة والعدل فقط.