النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٣٣٨

1338

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

المعتزلة، وهو أحد أئمتهم الأعلام المشار إليه في هذا الفن، كان جيد الكلام، مليح العبارة غزير المادة، إمام وقته». كما يصفه ابن كثير بأنه المتكلم شيخ المعتزلة والمنتصر لهم، والمحامي عن ذمامهم بالتصانيف الكثيرة» (2).

وعلى الرغم من كونه أحد أئمة المعتزلة كان لبعض المعتزلة - وهم طوائف كثيرة - موقف آخر منه، وهذا ما يكشف عنه الحاكم الجشمي في ترجمته له وكان لأصحابنا عنه نفرة لشيئين، أحدهما: أنه دنَّس نفسه بشيء من الفلسفة وكلام الأوائل. وثانيهما: ما ردَّ به على المشايخ في بعض أدلتهم في كتبه، وذكر أن الاستدلال بذلك لا يصح، فبهذين الأمرين لم يبارك [له] في علمه» (3).

ويمكن التعليق على هذا النص بما يلي:

أ - إن أحمد بن المرتضى، الذي يجمع بين الاعتزال والزيدية كالجشمي يحدد هؤلاء الأصحاب الذين لهم نفرة عنه بأنهم البهاشمة أي أتباع أبي هاشم الجبائي وهم فصيل من فصائل المعتزلة، وشعبة من شعبهم، وهم يعبرون عن آراء شيخهم الذي كان له عند المعتزلة مقام كبير، لكنه لا يعبَّر عن رأي المعتزلة جميعاً، بل لقد كفَّره بعض المعتزلة لقوله بالأحوال في سياق حديثه عن صفات الله تعالى (4).

ب

إن ابن المرتضى يرد على الجشمي ردّاً صريحاً واضحاً فيقول: «وهذا نوع تعصب، بل قد نفع الله بعلمه، أبلغ من غيره»، ثم يدلّل على ذلك بقوله: «ألا ترى إلى كتاب المعتمد في أصول الفقه، فإنه أصل لأكثر الكتب التي صنفها المتأخرون في هذا الفن، واعتمدوه، وكذلك غيره من كتب أصول الدين … والفخر الرازي اعتمد على آرائه في اللطيف وغيره» (5).

جـ ـ ثم إن موقفه من أبي هاشم يكشف عن نزعة أبي الحسين البصري إلى الاستقلال في الرأي والفكر، والتحلي بموقف نقدي يبرئه من المتابعة المطلقة لشيوخه مهما كانت مكانتهم، وهذا يعني أنه لا يعرف الحق بالرجال، ولا يتعصب للرأي من دون أن يسانده الدليل والحجة، وأنه كان يملك من شجاعة النفس وقوة الحجة ما يجعله يُمحّص الآراء ويمعن النظر فيها، فإن وجدها جديرة بالاعتناق أو القبول أخذ بها، وإلا أعلن - من دون تردد - موقفه منها وعدوله عنها.

(1) وفيات الأعيان، تحقيق: د. احسان عباس دار صادر، بيروت، 609/ 4.

(2) البداية والنهاية تحقيق د. أحمد ملحم وآخرون، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1987/ 3، 57/ 12 - 58. (3) شرح العيون مرجع سابق، ص 387.

(4) انظر: باب ذكر المعتزلة من كتاب المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل لأحمد بن يحيى المرتضى، (ت: 840 هـ). اعتنى بتصحيحه: توما أرنلد، طبع حيدر أباد 1316 هـ، ودار صادر، بيروت، د. ت، ص 57.

(5) وهو يصفه بأنه كان جَدِلًا حاذقا انظر: السابق 70 - 71.