النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٣٣٩كتاب (المعتمد) لأبي الحسين البصري
أ. د. عبد الحميد عبد المنعم مدكور
1339
على أن البصري كان يدلي برأيه - عند المخالفة من دون تطاول أو استعلاء، أو غضّ من مكانة من يخالفه، لا سيما إذا كان من يخالفه من شيوخ المذهب وأعلامه، ولقد كان يوقر شيخه القاضي عبد الجبار - وهو أكبر شيوخه - توقيراً عظيماً، وهو يذكر آراءه مصحوبة بالإجلال والاحترام، ولكنه كان يخالفه أحياناً، فإذا اضطر إلى ذلك فإنه لم يكن يصرّح بتخطئته أو الانتقاص من قدره، بل إنه كان يذكر رأيه المخالف لرأي شيخه مسبوقاً بعبارة يكثر تردادها عنده، وهي قوله: «ولقائل أن يقول»، وكأنه لا أن يصرح باسمه في حال مخالفته لشيخه؛ توقيراً له واحتراماً. يريد
د-
إن أكثر الذين ترجموا للبصري من المعتزلة وغيرهم قد نسبوا إليه كتباً ذات صبغة كلامية، ووصفوا مكانته العالية عن المعتزلة تعلُّماً وتعليما وإقراءً ودفاعاً، وكان من بين ما نسبوه إليه كتاب تصفح الأدلة، ونقض الشافي في الإمامة، ونقض المقنع في الغيبة، ويبدو من عناوين بعضها نقده لفكر الإمامية الاثني عشرية، ويبدو من عناوين بعضها الآخر أنها في صميم المنهج الكلامي، كما يظهر من عنوان: تصفح الأدلة، ولعله لم يَخْلُ من جانب نقدي لأدلة الفرق الأخرى كالأشاعرة ونحوهم، وهم يوصفون عند المعتزلة بصفات المجبرة والمشبهة.
ويضيف القفطي إلى هذه النسبة إلى الاعتزال أنه كان إماماً، عالماً بعلم كلام الأوائل، قد أحكم قواعده وقيد أوابده، وتصيد شوارده، وكان يتقي أهل زمانه في التظاهر به، فأخرج ما عنده في صورة متكلمي الملة الإسلامية، وأحكم ما أتى به من ذلك. ولم يزل على التصدر والتصنيف والإملاء والإفادة لمذهب الاعتزال والتحقيق لما انفرد به من الأقوال حتى أتاه أجله» (3). وهو متفق في وصفه بمعرفة كلام الأوائل - أي الفلسفة اليونانية ومن سار على نهجها بين المسلمين ـ مع ما ذكره الحاكم الجشمي الذي ذكر أنه كان للبهاشمة عنه نفرة؛ لأنه دنس نفسه بشيء من الفلسفة وكلام الأوائل (4).
(1) انظر مثلاً: كتاب المعتمد في أصول الفقه، تحقيق الأستاذ: محمد حميد الله بتعاون محمد بكر، و (د) حسن حنفي، طبع المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية بدمشق، ط 1964/ 1، 91/ 1 - 93، 154، 167 169، 174 175، 193، 195، ومواطن أخرى، وهذا ما سنوضحه ـ في ما بعد ـ
إن شاء الله
(2) انظر: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، مرجع سابق، 196 197، 347، باب ذكر المعتزلة مرجع سابق، 57، 71. (3) القفطي: تاريخ الحكماء، تصوير دار الآثار للطباعة والنشر، بيروت، ص 192.
(4) انظر: شرح العيون، مرجع سابق، ص 387، وهو يتفق في معرفته بالفلسفة مع بعض شيوخ المعتزلة كأبي الهذيل العلاف، وإبراهيم بن سيار النظام وبشر بن المعتمر. انظر مثلاً: الملل والنحل للشهرستاني بهامش الفصل لابن حزم، المطبعة الأدبية، 1317 هـ، 32/ 1 - 33، ولكن الرد على الفلاسفة كان مما اهتم به عدد منهم، ومنهم أبو هاشم الجبائي. انظر: تاريخ الحكماء ي، ص 3. والقاضي عبد الجبار في مواضع عديدة من كتبه. انظر مثلاً تثبيت دلائل النبوة، بتحقيق د. عبد الكريم زيدان، 78/ 1، 105، 161، ومواضع أخرى.
للقفط