النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٣٤١كتاب (المعتمد) لأبي الحسين البصري
أ. د. د. عبد الحميد عبد المنعم مدكور
1341
ب
إن وضف كتاب المعتمد بأنه شرح لكتاب عبد الجبار ليس دقيقاً؛ لأن أبا الحسين البصري شرح كتاب (العمد) في كتاب آخر هو (شرح العمد، أما كتاب (المعتمد) فهو كتاب يعرض الآراء الخاصة لأبي الحسين، وقد كان له ـ مع عرضه لآراء السابقين من المعتزلة وغيرهم - موقف نقدي، ونزعة إلى الاستقلال بما يكشف عن شخصيته العلمية، وأصالته، وهذا ما سنشير إليه ـ على نحو أوفى ـ في ما بعد إن شاء الله.
وإذا كانت هذه الكتب الأربعة هي قواعد علم أصول الفقه وأركانه كما يقول ابن خلدون، فإن الترتيب التاريخي لها كان يقتضي ذكر كتابي المعتزلة أولاً، إذ إنهما أسبق تاريخاً من كتابي إمام
الحرمين والغزالي
(1)
ولعل كتابي عبد الجبار والبصري هما أكبر كتب الأصول التي ظهرت حتى عصرهما، وأكثرها استقصاء للمسائل، وتقريراً لأصولها، على نحو يجعل لهما دوراً مهماً في استيفاء موضوعات العلم، واستكمال بنائه، بعد أن وُضِعَتْ لبناته الأولى على أيدي الصحابة رضوان الله عليهم، ثم ما أضيف إليها من لبنات على أيدي التابعين، وأئمة الحنفية، إلى أن جاء الإمام الشافعي، محمد بن إدريس (204 هـ) فوضع فيه كتابه (الرسالة) الذي خطا بهذا العلم خطوات كبرى حدد فيها كثيراً من القوانين والقواعد التي تتصل بأصول الاستدلال وأنواع الأدلة ومراتبها، كما تحدث فيها عن «الأوامر والنواهي والبيان والخبر والنسخ وحكم العلة المنصوصة من القياس (2).
وإذا كان الإمام الشافعي - في الرسالة - لا يقتصر على المسائل الجزئية والتفريعات؛ بل يعنى بضبط الاستدلالات التفصيلية بأصول تجمعها، وإذا كان يعنى بالترتيب والتنظيم وضبط الفروع والجزئيات بقواعد كلية مع البدء بوضع الحدود والتعاريف، ثم العناية بالتقسيم مع التمثيل
والاستشهاد)، إذا كان الأمر كذلك فإننا سنجد في كتاب أبي الحسين البصري شيئاً كثيراً من هذا الذي اشتمل عليه كتاب الرسالة، مع مادة علمية أكثر غزارة وتفصيلاً، ومع استقصاء للمسائل، وإيراد لآراء المخالفين مصحوبة باستدلالاتهم عليها مع المناقشة والتقويم لها. وهذا هو ما سينشغل به البحث في الصفحات التالية.
(1) توفي القاضي عبد الجبار: 415 هـ، وتوفي أبو الحسين البصري: 436 هـ، على حين توفي إمام الحرمين الجويني 478، والإمام الغزالي 505 هـ.
(2) انظر: مقدمة ابن خلدون، 960/ 3 - 962 وانظر - كذلك - تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية للشيخ مصطفى عبد الرازق، مطبعة
لجنة التأليف والترجمة والنشر، ط 1966/ 3،
ص
230
(3) انظر: تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، ص 244 - 245.