النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٣٤٢1342
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
المعتمد في أصول الفقه للبصري
يبلغ كتاب (المعتمد) قريباً من ألف صفحة)، ضمت أشتات علم أصول الفقه التي ناقشها البصري بصبر جميل، ونفس طويل، مع تمكن وثراء في مادته العلمية. وقد اجتمع لهذا الكتاب عدد من السمات والخصائص العلمية المنهجية، نشير إلى أهمها في ما يلي:
أولاً: الوضوح المنهجي
كتب أبو الحسين البصري هذا الكتاب الضخم طبقاً لخطة واضحة في ذهنه، كانت حاكمة لما
تناوله فيه من موضوعات، وما ذكره من تفصيلات، وما عَدل عن ذكره من مسائل، وتتسم هذه الخطة بالترابط والتسلسل المنطقي، والتدرج في الانتقال من فكرة جوهرية إلى فكرة جوهرية أخرى، التعليل لهذا الانتقال، وقد يبدو أنه يخالف ما هو متوقع - أحياناً مع على نحو يوحي بمخالفته لمنهجه، لكنه يسارع إلى الشرح والإيضاح لما سلكه من سبيل.
أ ـ ويتجلى هذا الوضوح منذ السطور الأولى لكتابه، حيث يذكر السبب الذي دعاه إلى تأليفه، والحدود التي سيلتزمها والمجالات التي سيطرقها، والفروق التي تميز عمله فيه عن أعمال سابقيه، وعلى رأسهم شيخه القاضي عبد الجبار.
وقد بيّن أنه شرح من قبل كتاب شيخه شرحا يقوم على متابعته في «ترتيب أبوابه، وتكرار كثير من مسائله، وشرح أبواب لا تليق بأصول الفقه من دقيق الكلام»، مما أدى إلى طول الكتاب بذكر نصوص كتاب شيخه ثم شرحها وتأويلها: فأحببت أن أؤلف كتاباً مرتبة أبوابه غير مكررة، وأعدل فيه عن ذكر ما لا يليق بأصول الفقه من دقيق الكلام؛ إذ كان ذلك من علم آخر لا يليق خلطه بهذا العلم، وإن تعلق به من وجه بعيد»، ويعلل البصري لمسلكه هذا تعليلاً منطقياً منهجياً يكشف به عن مسلك يتجنب خلط العلوم بعضها ببعض حتى وإن وقع في ذلك شيخه، وتابعه هو في شرحه لكتابه، منتهياً - بعد هذا التعليل المقنع - إلى أنه كان الأولى حذف هذه الأبواب الكلامية من أصول الفقه ويتضح من ذلك أنه سيعمل ـ منذ بداية كتابه على أن يقدم شيئاً متميزاً، لأنه ليس مجرد شارح، بل إنه يعبر عن آرائه الخاصة، وإن أحاط علماً - على نحو ظاهر - بآراء السابقين.
-
(1) وصلت صفحاته في طبعة الأستاذ محمد حميد الله 990 صفحة من الكتابة الدقيقة.
(2) تضمن الكتاب عرضاً مفصلًا للأصول» التي هي مصادر استنباط الحكم الشرعي كالكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس ونحوها، وهو يتناولها من حيث ما يندرج تحت كل منها من المسائل التي اعتاد الأصوليون ذكرها في كل منها، ثم هو يعرض لعلاقاتها بعضها ببعض، من حيث الترتيب والترجيح والنسخ وما يعرض للنص الشرعي من عموم وخصوص، وإجمال وبيان … إلخ. ولا يتسع المقام للدخول في هذه التفصيلات، ولذلك سنكتفي بعرض بعض الخصائص المنهجية.