النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٣٤٣

كتاب (المعتمد) لأبي الحسين البصري

أ. د. د. عبد الحميد عبد المنعم مدكور

1343

ثم إنه لا يكتفي بإيضاح هذا التميز، بل إنه يشير معه إلى ميزة أخرى تتمثل في أن كتابه سيقدم ما لم يتضمنه كتاب عبد الجبار ولا الشرح الذي قدمه له فحداني إلى تأليف هذا الكتاب ما ذكرته، وأن يقدم هذا الكتاب - أيضاً - زيادات لا توجد في الشرح، ثم يضيف إلى ذلك قوله: «وأنا ـ إن شاء الله ـ أذكر الغرض بهذا الكتاب، ثم أذكر أقسامه وعدد أبوابه وترتيبه، ثم أشرع في الكلام فيها بمعونة الله وحسن توفيقه» (1).

-

ثم يقوم بتعريف علم أصول الفقه، مُفرّقاً بينه وبين الفقه، محدّدا معاني المصطلحات التي ستكون مجالاً للبحث، مفصحاً منذ البدايات عن نزعة اعتزالية ستزداد ـ من بعد ـ وضوحاً في تعريفه لهذه المصطلحات، ثم مفرقاً ـ كذلك بين أصول الفقه وأصول الدين أو علم الكلام، ثم موضحاً طبيعة الأدلة التي ستكون متداولة في البحث، فهي إما دلالة وإما أمارة؛ لأن معرفة الفرق بينهما مُفْتَقَرُ إليها في أصول الفقه، ثم يفرّق بين مستوياتٍ من المعرفة التي ترتبط بكل من الدلالة والأمارة، وذلك عندما يفرق بين العلم والظن والنظر والاستدلال، مبيناً أن الأدلة في أصول الفقه تتصف بالكلية والعموم لا بالجزئية التي يتصف بها الاستدلال في علم الفقه «ألا ترى تكلمنا في أن الأمر على الوجوب لم نشر إلى أمر معين، وكذلك النهي والإجماع، وليس كذلك أدلة الفقه؛ لأنها معينة»، ثم أوضح المراد بما ذكره من كيفية الاستدلال، وهي تعني ـ عنده ـ الشروط والمقدمات وترتيبها الذي يستدل معه بالطرق [أي الأدلة] على الفقه» (2).

أنا

إذا

ولا يتوقف أبو الحسين عند هذا الحد، بل يخصص ـ بعد ذلك ـ باباً في قسمة أصول الفقه، ثم باباً بعده للحديث عن ترتيب هذه الأبواب، مبيّناً ما يستحقه بعضها من تقديم، وما يستحقه بعضها من تأخير، فالحقيقة تقدم على المجاز، والأمر يتقدم على النهي، والخصوص والعموم يتقدمان على الإجمال والبيان، ثم يتقدم هذا كله على الأفعال، ثم تتقدم الأفعال على الكلام في الناسخ والمنسوخ، ثم يتقدم كلام الله وكلام نبيه على الإجماع، ثم يتقدم الإجماع على الأخبار، ثم يتقدم الإجماع على القياس، ثم تتقدم هذه الأصول المشهورة أو المتفق عليها - في الجملة - على الأصول أو الطرق التي هي أقل إجمالا. ثم يختم هذا التفصيل والترتيب الذي يشمل أبواب كتابه الكبير بقوله: «وقدمنا جملة هذه الأبواب على صفة المفتى والمستفتى؛ لأن المفتي إنما يجوز له أن يفتي إذا عرف جميع ما ذكرناه الأدلة وكيفية الاستدلال بها … فصار الكلام في المفتى والمستفتى فرعاً على المعرفة بجملة ما تقدم … فقد أتينا على ذكر الغرض بالكتاب، وقسمة أبوابه وترتيبها ونحن نشرع في أبواب الكتاب، ونذكر كل باب في موضعه الذي يليق به، إن شاء الله عل» (3).

من

(1) انظر: المعتمد، 7/ 1 - 8 (2) المرجع السابق، 8/ 1 - 11. (3) المرجع السابق، 11/ 1 - 14.