النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٣٤٦1346
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
-
وهل يدخل الكافر والمرأة والعبد والصبي في الأمر المطلق أو لا؟
وإذا كان الأمر يتناول جماعة وكان بعضهم يقوم مقام بعض في ذلك الفعل، فهل يفيد الأمرُ الإيجاب على جميعهم، على البدل أو لا؟
وإذا كان الأمر مقيداً بشرط أو صفة فهل يجوز أن يؤمر الإنسان بشرط زوال المانع أو لا؟ وإذا تكرر الأمر بحرف عطف أو بغير حرف عطف فهل تتكرر فائدته أو لا؟). ثم نجده يجيب عن هذه الأسئلة واحداً تلو الآخر.
يتصل بهذا الوضوح المنهجي ما نجده لديه مما يمكن تسميته بالالتزام المنهجي، فأبو الحسين البصري لا يصدر في الإجابة عن هذه الأسئلة ولا في حديثه عن غيرها من المسائل التي يمتلئ بها كتابه إلا عن دليل، إذ لا بد في الأحكام الشرعية من طرق عقلية أو شرعية، وأنه يجب التفريق بين ما هو طريق أي دليل فيستدل به، وما ليس بطريق حتى يتجنبه المجتهد. ويعلل لهذا بأن الحكم بغير طريق «إما أن يكون حكماً بالشهوة أو بأول خاطر … وذلك يتأتى من الصبي والعامي كما يتأتى من العالم، فكان ينبغي جواز ذلك من هؤلاء أجمعين، وكان ينبغي ألا يلام من حكم بذلك، ولأن هذه الأشياء قد تتناول الحق كما تتناول الباطل … ». ثم على المستدل المستكمل للشروط أن يبين ذلك لغيره «لأنه إذا ألزم غيره أن يصير إلى مثل رأيه من غير أن يوضح له طريقته التي أوصلته إلى رأيه فقد كلَّفه ما لا يطيقه»، وإذاً فلا بد من البرهان والدليل في جميع الأحوال (4)، ويُعَدُّ أبو الحسين البصري أحد المؤسسين لهذه القاعدة المنهجية المهمة في علم أصول الفقه، وهي قاعدة تؤدي إلى ضبط المفاهيم وتدقيق الأدلة والبعد عن إطلاق الأحكام من دون بينة ولا برهان.
وفي مثل هذا المعنى يقول ابن حزم المعاصر للبصري والمتأخر في الوفاة عنه (ت: 456 هـ) أن الله لقد بيَّن للناس «أنه لا يقبل قول أحدٍ إلا بحجة … وأن من لم يأت على قوله بحجة فهو مبطل بنص حكم الله عل … وأنه لا يفلح إذا قال قولة لا يقيم على صحتها حجة قاطعة» (5). وهذا
ما يقوله إمام الحرمين الجويني
(6)
(1) انظر: المعتمد، 43/ 1 - 45 وقارن هنا: البرهان للجويني بتحقيق د. عبد العظيم الديب، طبع، قطر، 1399 هـ، 224/ 1 وما بعدها إلى ص 286 والأحكام لابن حزم، نشره إحسان عباس دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط 1983/ 2، ج 45/ 3 وما
بعدها والمستصفى للغزالي بهامشه مسلم الثبوت طبعة بولاق، ط 1322/ 1، 2/ 2 - 24.
(2) المعتمد، 879/ 2
(3) المرجع السابق، 838/ 2، 839. (4) المرجع السابق، 880/ 2 - 882. (5) الإحكام لابن حزم، ج 20/ 1. (6) انظر: البرهان 226/ 1، 536، 537.