النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٣٤٧

كتاب (المعتمد) لأبي الحسين البصري

أ. د. عبد الحميد عبد المنعم مدكور

1347

× وقد كان هذا الالتزام المنهجي موضع الاعتبار لدى البصري، حتى إنه كان يتوقف أحياناً عن إصدار حكم أو عن ترجيح دليل على دليل، إذا تكافأت الأدلة، ولم يجد حرجاً ـ عندئذ ـ في أن يقول: «والأشبه أن يقال في ذلك بالوقف»)، بل إنه كان في بعض الأحيان يرجع عن بعض أقواله إذا تبين له، ما هو أقوى منها دليلاً، ويتضح هذا من قوله بعد أن أورد رأياً «وهذا أولى مما ذكرناه في كتاب أفردناه في القياس الشرعي». وهذا يكشف عن أمانته العلمية، وتواضعه للحق، ورجوعه إليه، كما تكشف النماذج السابقة - وما يماثلها مما يمتلئ به كتابه - عن هذا الوضوح المنهجي الذي كان يتحلى به أبو الحسين البصري.

ثانياً: المعرفة الشاملة بعلم أصول الفقه وآراء علمائه

يدل النظر في كتاب المعتمد للبصري على درايته الوافية بآراء العلماء بعلم أصول الفقه، وهي آراء يستحضرها البصري في ما يعرض له من مسائل العلم وقضاياه، وهي تذكر أحياناً لبيان الآراء الواردة في المسألة، وتذكر أحياناً للمفاضلة بين الآراء من حيث قوة الأدلة وضعفها، وقد تأتي في سياق المناقشة لها مناقشة قد تؤدي إلى قبول بعضها ورفض بعضها الآخر. ثم هو قد يضرب صفحاً عنها إلى رأيه الذي يختاره بعد هذا الجهد الذي بذله في عرضها ومناقشتها، ولكنه ـ في العادة والأكثر - لا يتجاهلها ولا يغفل عنها؛ بل إنها ملحوظة من جانبه، حتى وهو يخالفها.

وليست هذه المعرفة خاصة بمذهب من دون مذهب، ولا بمدرسة من دون مدرسة، وإنما هي إلى حد كبير - معرفة جامعة للمذاهب والمدارس الفقهية على وجه العموم، وتمتد هذه المعرفة إلى آراء بعض فقهاء الصحابة والتابعين ويتكرر في كتابه أسماء بعضهم كأبي بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وعائشة الصديقة وعبد الله بن عباس وابن عمر ومعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري وغيرهم من الصحابة ويشاركهم في ذلك بعض التابعين كالحسن البصري وابن سيرين، وكذلك ترد في كتابه أسماء أئمة المذاهب الفقهية المشهورة ولا سيما الأحناف والشافعية، وهو لا يقتصر في ذكره لآراء هذين المذهبين على الإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي، بل إنه يورد أسماء المشاهير من أتباعهما كأبي يوسف ومحمد بن الحسن وأبي الحسن الكرخي من الحنفية، وقد يورد آراء المذهب تحت عنوان: أصحاب أبي حنيفة أو العراقيين، أو أصحاب الرأي. وأصحاب هذا المذهب لهم القدح المعلَّى عنده، باستثناء أعلام المعتزلة: وينافس هؤلاء جميعاً في العناية بذكر آراء أعلام المذهب الشافعي، وهو يورد للشافعي نفسه آراء في أكثر من أربعين مسألة بعضها من الرسالة القديمة، كما يقول، فضلاً عن ذكر آراء

(1) انظر مثلاً: المعتمد، 175/ 1، 176.

(2) المعتمد 521/ 2، وهو كتاب صغير مطبوع بصحبة كتاب المعتمد، من 1029 - 1050.