النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٣٤٩كتاب (المعتمد) لأبي الحسين البصري
أ. د. عبد الحميد عبد المنعم مدكور
1349
يقول: «وأما قول بعض الشافعية إن النبيذ يسمى خمراً فليس هو مذهب الشافعي. وقد قال في كثير من كتبه إن الخمر هو عصير العنب … المشتد» (1).
ومن ذلك ما قاله بصدد الاستحسان الذي قال به أبو حنيفة وأتباعه، وكان محمد بن الحسن يقول عن شيخه أبي حنيفة: إن أصحابه كانوا ينازعونه المقاييس، فإذا قال أستحسن لم يلحق به أحد» (2) وقال به - كذلك - الإمام مالك الذي يُنسب إليه أنه قال: «الاستحسان تسعة أعشار العلم» (3).
(5)
أما الإمام الشافعي فقد خالف أبا حنيفة ومالكاً في موقفه من الاستحسان)، وقد عقد لذلك فصلاً قائماً بذاته في كتاب الأم بعنوان: إبطال الاستحسان، وكان مما قال فيه «ولا يجوز له أن يحكم ولا يفتي بالاستحسان؛ إذ لم يكن لاستحسان واجباً ولا في واحد من هذه المعاني»، ذلك أن الحكم أو الاجتهاد لا يكون مقبولاً إلا إذا كان راجعاً إلى نص من كتاب أو سنة أو إجماع على الكتاب والسُّنَّة أو استنباط منهما، ومن قال: أستحسن، لا عن أمر الله ولا عن أمر رسوله صلى الله عليه وسلم فلم يَقْبل عن الله ولا عن رسوله ما قال، ولم يطلب ما قال بحكم الله ولا بحكم رسوله، وكان الخطأ في قول من قال هذا بينا». وهكذا تفاوتت الآراء في القول بالاستحسان تفاوتاً كبيراً، وعندما عرض أبو الحسين البصري لهذه المسألة نبه على ضرورة التحقق من الآراء، وأخذها عن أصحابها، لا عن مخالفيهم، وفي هذا يقول: (اعلم أن المحكي عن أصحاب أبي حنيفة القول بالاستحسان، وقد ظن كثير ممن ردَّ عليهم أنهم عنوا بذلك الحكم بغير دلالة، والذي حصله متأخرو أصحاب أبي حنيفة هو أن الاستحسان عدول في الحكم عن طريقة إلى طريقة هي أقوى منها». ثم يعلق على هذا بأن هذا التحديد للاستحسان أولى مما ظنه مخالفوهم، وأنه الأليق بأهل العلم، ولأن أصحاب المقالة أعرف بمقاصد أسلافهم، ولأنهم قد نصُّوا في كثير من المسائل فقالوا: «استحسنا هذا الأثر، ولوجه كذا، فعلمنا أنهم لم يستحسنوا بغير طريق» (8).
(7)
(1) المعتمد، 808/ 2
(2) انظر: أصول الفقه للشيخ محمد أبي زهرة، دار الفكر العربي، 1958، ص 244. (3) المرجع السابق، 244.
(4) خصص الشافعي فقرة في كتابه الرسالة للحديث عن الاستحسان بيَّن فيها أن حراماً على أحدٍ أن يقول بالاستحسان إذا خالف الاستحسان الخبر من الكتاب والسُّنَّة، أو إذا خالف القياس؛ لأن ذلك يعني الحكم بغير دليل من هذه الأصول التي هي مصادر الاستدلال، ثم وصف الاستحسان - عند فقد الدليل - بأنه تلذذ، والقائل به - دون دليل - آثم، بل إنه أقرب إلى الإثم ممن قال بغير علم. انظر: الرسالة بتحقيق وشرح: الشيخ أحمد محمد شاكر مكتبة دار التراث، ط 1979/ 2، ص 503 - 508. (5) أي للحاكم أو المفتي. انظر: كتاب الأم، طبعة الشعب، 270/ 7 - 271.
(6) الأم، باب إبطال الاستحسان، 272/ 7، والشافعي يدلل على رأيه في الصفحات التالية. (7) كالإمام الشافعي ومدرسته الفقهية. (8) انظر: المعتمد، 838/ 2