النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٣٥٠1350
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
ويلاحظ على كلام البصري سمة الإنصاف للقائلين بالاستحسان وتبرئتهم من أن يقولوا في هذه المسألة بغير دليل، أو أن يتجرأوا على القول في مسائل التشريع بلا علم مأخوذ من كتاب الله وسُنَّة رسوله نصاً أو استنباطاً؛ لأن اللائق بهم وبأمثالهم من المجتهدين أن يكون لديهم من العلم والورع ما يجعلهم بمنأى من الوقوع في هذا المحظور، وربما كان لالتباس المسألة وعدم التحديد الدقيق لما هو مراد بها أبلغ الأثر في وقوع هذا الخلاف، وما كان للإمام الشافعي أن يظن بالإمام أبي حنيفة سوءا، وهو يقول: « … ومن أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة)، ولقد كان التحديد الدقيق للمسألة أو التحرير لموضع الخلاف جديراً بأن يخفف من حدة الخلاف حولها.
ثم يلاحظ ـ كذلك - أن البصري لم يُذل برأي صريح في هذا الخلاف، قبولاً أو رفضاً، غير أن ما قاله - في المسألة - يمكن اعتباره بمثابة دعوة إلى إعادة النظر فيها، وتخفيف نبرة الهجوم على القائلين بها، بل لعله كان دعوة إلى تجديد الاجتهاد فيها، على نحو يفتح للاستحسان أفقاً جديداً في الدرس الفقهي، يُخَلِّصُه مما يمكن أن يكون قد ناله من تراجع بسبب هجوم الشافعي عليه، وبذلك يتخذ مكانه في الاستنباط والتطبيق على حد سواء، بعد تخليصه من شبهة عدم المشروعية وهذا أمر يحمد للبصري، على كل حال. وهو متفق مع توجهه الفكري بوصفه مفكراً
معتزلياً، وهذا ينقلنا إلى الفقرة التالية.
ثالثاً:
ا النزعة الكلامية الاعتزالية
عقد أبو الحسين العزم منذ بداية كتابه المعتمد على أن يكون كتابه خالصاً لأصول الفقه، بحيث لا يخلطه بشيء من الكلام، وقد أشرنا - من قبل بإيجاز - إلى أنه أخذ على شيخه عبد الجبار قاضي القضاة أنه ذكر في كتابه العمد «أبواباً لا تليق بأصول الفقه من دقيق الكلام، نحو القول في أقسام العلوم، وحد الضروري منها والمكتسب، وتوليد النظر العلم، ونفي توليده النظر إلى غير ذلك» (2). ثم صرح بأن كتابه المعتمد لن يقع في هذا الذي وقع فيه عبد الجبار، وأنه عدل فيه «عن ذكر ما لا يليق بأصول الفقه من دقيق الكلام، كالقول في التوحيد والعدل؛ لأنهما من مباحث علم الكلام، ولأن القارئ لكتابه المعتمد إما أن يكون عالماً بعلم الكلام، فلن يكون ـ إذاً ـ بحاجة إلى تكرار القول فيه، وإما ألا يكون عالماً به، وعندئذ سيكون من الصعب عليه أن يفهم ما يتحدث به علماء الكلام عن هذه المسائل الصعبة، ولا سيما في شكلها الاعتزالي، وهذا يؤدي به إلى الضرر
(1) الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء، لأبي عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي، دار الكتب العلمية، بيروت، د. ت،
ص 136.
(2) المعتمد، 7/ 1.