النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٣٥١كتاب (المعتمد) لأبي الحسين البصري
أ. د. عبد الحميد عبد المنعم مدكور
والملل وشغل الزمان بما يصعب عليه فهمه، وسيعجز
-
1351
بسبب
افتقاده للثقافة الكلامية - عن أن
يدرك غرضه منه، ثم يلخص ـ بعد هذا الاستدلال - النتيجة التي يحدد بها موقفه من هذه المسألة فكان الأولى حذف هذه الأبواب من أصول الفقه» (1).
وقد حرص البصري على الالتزام بذلك، وكان من دلائل ذلك أنه عدل عن ذكر بعض المسائل، معللاً ذلك بأنها بالكلام أشبه، وهنا نتساءل: إلى أي مدى حافظ البصري على ما ألزم به نفسه؟ وهل خلا كتابه من العودة إلى أصول المعتزلة الكلامية التي كانوا يستحضرونها كثيراً عند تعرضهم للأصول الفقهية لمذهبهم الاعتزالي، ويحتكمون إليها فيما يقولون به من آراء فقهية وأصولية؟ وهل استطاع فعلاً أن ينجو مما أخذه على شيخه عبد الجبار؟
ويمكن القول بأن هذا الالتزام النظري المنهجي كان مرعيّاً بصفة عامة، وفي كثير مما تناوله في كتابه الضخم، غير أن الأمر لم يخل من عودٍ إلى علم الكلام الذي يعد عند المعتزلة - وعند غيرهم - هو الأصل الذي ينبني عليه ما سواه من العلوم الشرعية كالفقه والأصول ونحوهما، وهذا ملحوظ في التعاريف الكلامية لعلم الكلام وفي تقدير مكانته، وهي مكانة يتفق عليها المعتزلة والأشاعرة والماتريدية على حد سواء، بل إن هذه الفكرة كانت موضع الاعتبار منذ كتب الإمام أبو حنيفة (150 هـ) كتابه الفقه الأكبر، ثم كانت موضع القبول، بل كانت موضع الاعتزاز لدى أصحاب المذاهب الكلامية، ومن ثم لم يكن عجيباً أن يتبناها المعتزلة الذين يقوم مذهبهم على الأصول الخمسة التي تبدأ بالتوحيد والعدل، وهما أصل الأصول عندهم، ولم يكن عجيباً ـ كذلك أن يقرر الإمام أبو حامد الغزالي (505 هـ) ذلك في أوائل كتابه المستصفى
علم
(3)
وقد كان لهذه المكانة لعلم الكلام - الذي كان من أسمائه: أصول الدين - أثرها في أن يعاود العاملون في حقل أصول الفقه النظر في علم الكلام، وأن يلجأوا إليه لتقرير مسألة، أو الاستدلال لفكرة أصولية، أو يسوغوا به اجتهاداً أصولياً، وينطبق هذا على المعتزلة أكثر من غيرهم؛ (4)؛ لأن الطابع العقلي لمذهبهم كانت له تجلياته في أفكارهم الفقهية والأصولية، ولذلك
(1) الانتقاء، المصدر السابق، 7/ 1. (2) انظر مثلا: المعتمد 103/ 1
(3) انظر: المستصفى المطبعة الأميرية ببولاق، ط 1322/ 1 هـ، وفي هذا المعنى يقول الغزالي: «فإذاً الكلام هو المتكفل بإثبات مبادئ العلوم الدينية كلها فهي جزئية بالإضافة إلى الكرم، فالكلام هو العلم الأعلى في الرتبة؛ إذ منه النزول إلى هذه الجزئيات، 6/ 1 - 7.
(4) وإن كانوا لا ينفردون بهذا المزج بين العلمين، وقد فسر الإمام الغزالي ذلك الخلط ـ الذي أدى إلى مناقشة بعض مسائل علم الكلام في علم أصول الفقه - بقوله: «وإنما أكثر فيه المتكلمون ـ من الأصوليين - لغلبة الكلام على طبائعهم، فحملهم حب صناعتهم على خلطه بهذه الصنعة، وهذا كصنيع بعض اللغويين والنحويين في خلطهم أصول الفقه بمباحث اللغة، وكما في إدراج بعض مسائل الفقه ضمن علم الأصول»، ثم بيَّن الغزالي أنه سيسلك مسلك هؤلاء وبعد أن عرفناك إسرافهم في
=