النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٣٥٢

1352

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

1

نجد في كتبهم الأصولية تكراراً لمصطلحات كلامية كالتحسين والتقبيح، واللطف، ومنع التكليف بما لا يطاق. وهنا ينبغي التفريق بين أنواع من المسائل:

-

2

مسائل أصولية خالصة، وهي تمثل الطابع الغالب على كتابه وهو يستخدم فيها لغة أصولية دقيقة، ويقدمها بطريقة الأصوليين المعتادة في الاستدلال وسرد وجوه الخلاف حولها، وتحديد الرأي المختار فيها، وهكذا.

مسائل هي مسائل كلامية ولكن كان لها أثر في التكليف أو علاقة بتكييف الفعل الشرعي التعبدي أو الأخلاقي، وهذه ستكون موضع عناية الفقيه الأصولي عند تناوله لها؛ وستكون حاضرة عند حديثه عنها؛ لأنها تمثل مرجعية له فيما يحكم به عليها، وفيما يختاره من رأي فيها. وينطبق هذا على سبيل المثال على مسائل كالتحسين والتقبيح، والتكليف بما لا يطاق واللطف، وقد ورد شيء منها لدى أبي الحسين البصري، فعندما كان يتحدث عن التكليف الشرعي الذي يرد من قِبَل الحكيم تعالى قال: «والأمر من الحكيم لا يتوجه بما لا يمكن، ولا يتوجه إلى العبادة إلا بشرط حصول القدرة، لأنه إن كان يوجد كان أمراً بما لا يطاق»).

ثم قال

-

مع فقدها

بعد قليل ـ في المسألة نفسها، بعد أن ذكر أنه يُشترط للقيام بالعبادة أن يتحقق ما تفتقر إليه من شروط - قال: إنه إذا حصل الشرط كان على المكلف أن يقوم بالعبادة، وأما إذا لم يتحقق الشرط فلا وجوب عليه وإلا كان تكليفاً بما لا يطاق، وينطبق ذلك على حديثه عن اللطف (3

ومن

(3) ،

أمثلة ما جاء لديه عن التحسين والتقبيح ما ذكره في معرض حديثه عن أن الانتفاع بالمآكل والمشارب مباح في العقل، وكان دليله على ذلك أن الانتفاع بها منفعة، ليس فيه وجه من وجوه القبح، وكل ما هذا سبيله فحسنه معلوم، والعلة … هي أن المنفعة تدعو إلى الفعل وتسوغه؛ إذ هي غرض من الأغراض، فإذا انتفى وجوده عنها تجرّد ما يقتضي الحسن» (4).

هذا الخلط فإنا لا نرى أن نخلي هذا المجموع عن شيء منه؛ لأن الفطام عن المألوف شديد، والنفوس عن الغريب نافرة»، المستصفى 510/ 1. وهذا الذي ذكره الغزالي يفسر لجوء أبي الحسين البصري وأمثاله إلى مزج علم الكلام بأصول الفقه؛ إذ هو أصولي، ولكنه متكلم معتزلي أيضاً.

(1) المعتمد، 104/ 1.

(2) المرجع السابق نفسه. وانظر مثالًا آخر: 407/ 1، والأمثلة على هذا كثيرة عنده. (3) انظر: المعتمد، 711/ 2143/1 - 712. وانظر في تعريف اللطف عند المعتزلة: المغنى للقاضي عبد الجبار، 9/ 13، 27، وشرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار، وهو من تعليق تلميذه أحمد بن الحسين بن أبي هاشم، تحقيق: د. عبد الكريم عثمان، مطبعة وهبة، ط 2، ص 519، 520. (4) المعتمد 868/ 2، 869.