النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٣٥٣كتاب (المعتمد) لأبي الحسين البصري
أ. د. د. عبد الحميد عبد المنعم مدكور
1353
غير أن البصري لا يقف عند هذا الحد الذي تسمح به تلك العلاقة بين أصول الفقه وأصول الدين؛ بل إنه يتجاوزه ليستغرق في استخدام هذه الفكرة الكلامية لتكون أصلاً في تقسيم الأفعال وتصنيفها إلى شرعية وعقلية ممدوحة أو مذمومة على أساس من علاقتها بالتحسين والتقبيح، وقد انتهى به الأمر إلى تقسيمات تختلف - في بعض جوانبها وتفصيلاتها - عما هو مألوف مشهور عند الأصوليين، بصفة عامة.
ويتضح
ذلك ببيان أنه يقسم الأفعال أقساماً: أحدها تقسيمها بحسب أحكامها في الحسن والقبح، ثم بحسب تعلّق أحكامها على فاعليها وغير فاعليها، ثم تقسيمها بحسب كونها شرعية وعقلية، وكونها أسباباً في أحكام أفعال أُخَر، وقد بيّن أن أفعال غير المكلفين كالصبيان والمجانين لا يتعلّق بفاعلها مدح ولا ذم، لأنهم ليسوا ذوي أهلية تجعلهم أهلاً لتحمل المسؤولية.
أما المكلفون فأفعالهم ضربان: ضربٌ لا يصح للمكلف فعله، وإذا فعله كان فعله له مؤثراً في استحقاق الذم فيكون قبيحاً، وضرب يمكن للمكلف فعله، وإذا فعله لم يكن له تأثير في استحقاق الذم، وهو الحسن.
ثم يعود البصري فيقسم القبيح إلى قسمين صغير وكبير، فالصغير هو الذي لا يزيد عقابه وذمه على ثواب فاعله ومدحه، والكبير هو الذي لا يكون لفاعله ثواب أكثر من عقابه، ولا مساوٍ له، وهذا النوع أي الكبير ضربان أيضاً، أحدهما: ما يُسْتَحقُ عليه عقاب عظيم وهو الكفر، الذي يمكن لنا أن نقول: إنه أقبح القبيح، والآخر:: ما يستحق عليه فاعله قدراً أقل من العقاب وهو الفسق. وينقسم الحسن - هو الآخر - إلى قسمين: أحدهما: ألا يكون له صفة زائدة على حسنه بحيث تؤثر في استحقاق المدح والثواب، فيكون في معنى المباح، وإما أن يكون له صفة زائدة على حسنه، لها مدخل في استحقاق المدح، وهو ينقسم إلى ما هو في معنى الندب، وما هو في معنى الوجوب، والأول منهما فضل وندب، فالفضل هو الذي يكون فيه نفع وأصل إلى الغير على طريق الإحسان. والثاني: هو ما كان مقصوراً على فاعله وهو مندوب إليه ومرغب فيه. وهو يقسم الواجب كذلك إلى ما هو واجب على الأعيان، وما هو واجب على الكفاية، وبعضهم يقسمه إلى مُضيَّق وموسع.
ثم يعود البصري مرة أخرى ليعرّف القبيح بأنه «ما ليس للمتمكن منه ومن العلم بقبحه أن يفعله»، وقد يوصف بأوصاف كثيرة منها: إنه معصية، ومنها: إنه محظور، والحظر يفيد المنع، ومنها: وصفه بأنه محرم، وذلك يفيد في العرف، قبحه، ومنها وصفه بأنه ذنب ومعناه: أنه قبيح، تُتوقع المؤاخذة عليه ومنها: وصفه بأنه مكروه، ويفيد في العرف أن الله هو له، ومنها: وصفه بأنه مزجور عنه ومتوعد عليه، ويفيد في العرف أن الله سبحانه هو المتوعد
عليه والزاجر عنه.
الكاره