النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٣٥٥كتاب (المعتمد) لأبي الحسين البصري
أ. د. عبد الحميد عبد المنعم مدكور
1355
د-
ثم يلفت النظر أنه ـ عند حديثه عن القبيح - أتى بالفسق أوَّلاً قبل أن يتحدّث عن المحرمات الخاصة بالعبادات كترك الصلاة والإفطار في رمضان من دون عذر شرعي، وعدم دفع الزكاة مع توفر شروطها، وهي أمور يتفق الفقهاء جميعاً على تحريمها، ولكن لعل ذلك ـ عند المعتزلة - مرتبط في الحكم بالفسق برأيهم في الحكم على مرتكب الكبيرة، وقولهم بالمنزلة بين المنزلتين، وهو من أصولهم الخمسة، بل إنه كان من أسباب نشأة فرقة المعتزلة ذاتها كما هو معروف (1). وهذا ينطبق على المعاصي والكبائر، أما الكفر الذي ذكره عند التمثيل للقبيح؛ فذلك لأن الكفر أقبح القبيح، وهذا ملحوظ عند الفقهاء جميعاً، وإن كانوا لا يدرجونه ضمن الأحكام العملية الفرعية عند حديثهم عنها؛ لأنه من مباحث أصول الدين لا من مباحث الفقه والأصول.
وهكذا نجد أن أبا الحسين البصري يقتبس بعض المصطلحات الكلامية ليتخذها مدخلاً ومنطلقاً لهذه المباحث والتفصيلات، بسبب هذه العلاقة الوثيقة بين هذه المصطلحات وما يرتبط بها من معان وأفكار فقهية وأصولية.
3 - على أنه إذا كانت هنالك مندوحة في الانتقال من نطاق علم الكلام إلى مجال علم أصول الفقه في المثال السابق المتعلق بالحُسْن والقبح، وما تفرع على ذلك من تعريفات وتقسيمات، فإن الأمر لم يكن كذلك في حديثه عن أصول الاستدلال التي يُغنى بها علم أصول الفقه، بوصفها مجال تخصصه الذي ينفرد به عن الفقه والقواعد الفقهية.
وينبغي أن نشير - أولاً - إلى أن أصول الاستدلال - عنده - هي الكتاب والسُّنَّة والإجماع، إذ هي الأصل في الدلالة».
وقد خصص لكل أصل منها حيزاً كبيراً يذكر فيه ما يتعلّق به من المباحث التي تتناول البرهنة على عده أصلاً، ثم تنتقل إلى ذكر المسائل المتعلقة به وحده، أو به وبما يجري مجراه، فهو ـ في سياق حديثه ـ عن النص الشرعي المتمثل في القرآن والسُّنَّة يتحدث عن الأوامر والنواهي كما يتحدث عن العموم والخصوص، والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ بما يندرج تحته من أنواع کنسخ الكتاب بالكتاب، ونسخ السنة بالسنة، ونسخ القرآن بالسنة، ونسخ الإجماع وفي وقوع النسخ به، ونسخ القياس وفي وقوع النسخ به إلى غير ذلك من المسائل التي يحتملها هذان الأصلان. وهو في حديثه عن السنة يتحدث عن التواتر والآحاد وموقع كل منهما من الاستدلال به
(3)
وهكذا.
(1) انظر لصاحب هذا البحث تمهيد لدراسة علم الكلام، دار الهاني للطباعة والنشر، دار الهاني، ط 2010/ 1، ص 97 - 101. (2) المعتمد، 850/ 2
(3) انظر مثلاً: المصدر السابق، 75/ 1،76، 156،412، 532، 549، 550، 551، 560 وما بعدها، إلى مواضع أخرى.